في وقت حذرت الأمم المتحدة من هجوم بري وشيك لقوات "الدعم السريع" على مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، في ظل تواصل الغارات الجوية والقصف المدفعي منذ أكثر من أسبوع، مما أوقع عشرات الضحايا، بالتزامن مع أزمة إنسانية وصحية بالغة الخطورة،
استهدفت طائرات مسيرة تابعة للأخيرة، مساء أمس الخميس، محطة كهرباء المدينة الرئيسة، مما أدى إلى انقطاع تام للتيار الكهربائي شمل كل أنحائها.
وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو تظهر ألسنة النيران مشتعلة في محطة الكهرباء، وأعمدة دخان كثيف تغطي سماء مدينة الأبيض. وبحسب شهود، سمع دوي انفجارات قوية عقب إصابة أحد محولات التحويل في المحطة بواسطة مسيرة تابعة للجماعة،
في تصعيد ميداني يتزامن مع محاولاتها تضييق الخناق على المدينة وقطع طرق الإمداد المؤدية إليها. وسبق أن استهدفت مسيرات "الدعم السريع" محطة كهرباء الأبيض في مايو (أيار) الماضي، مما أدى إلى انقطاع التيار لأكثر من 10 أيام وتوقف عدد من المرافق الحيوية، بينها المستشفى التعليمي ومحطات المياه.
وتعد الأبيض نقطة ارتكاز رئيسة للجيش في كردفان الكبرى، وتشهد منذ أسابيع اشتباكات متقطعة على أطرافها الغربية والجنوبية، وسط مخاوف إنسانية من تدهور الأوضاع المعيشية مع تكرار استهداف البنية التحتية. حشود عسكرية بالتوازي مع الحملة الجوية،
نشرت منصات قريبة من "الدعم السريع" وناشطون من نيالا مركز قيادة الجماعة مقاطع وتسجيلات عن حشود عسكرية في طريقها للأبيض وتهديد باجتياحها، لكن مسيرات الجيش أوقعت فيهم خسائر كبيرة ودمرت عشرات المركبات القتالية، إذ أعلن الجيش الأحد الماضي في بيان تحقيق انتصارات كبيرة في محور كردفان أسفرت عن تدمير 91 مركبة قتالية لـ"الدعم السريع"، والقضاء على عشرات من عناصرها،
منذ بداية يونيو (حزيران) الجاري. وتكتسب الأبيض أهمية استراتيجية نظراً إلى موقعها الجغرافي الذي يربط الخرطوم ووسط البلاد مع غربها، وتعد أكبر مركز حضري في إقليم كردفان الذي يتألف من ثلاث ولايات وبوابة رئيسة نحو إقليم دارفور، فضلاً عن أنها باتت مأوى لمئات الآلاف من النازحين من ولاية غرب كردفان وجنوبها وإقليم دارفور،
إلى جانب سكانها الذين يتجاوز عددهم 600 ألف. ويسيطر الجيش على الأجزاء الجنوبية من ولاية شمال كردفان التي تشمل مدينتي أم روابة والرهد والطريق القومي الممتد من كوستي في ولاية النيل الأبيض حتى الأبيض، إذ يربطها مع ميناء بورتسودان. في المقابل،
تسيطر "الدعم السريع" على الأجزاء الشمالية لولاية شمال كردفان وتشمل طريق الصادرات المؤدي إلى أم درمان شمال مدينة الأبيض، إذ تتمركز الجماعة في بارا ثالث أكبر مدن الولاية ومناطق عدة على طول هذا الطريق، إلى جانب محليات جبرة الشيخ وسودري وغرب بارا. ضربات جوية في الأثناء،
نفذ سلاح الجو التابع للجيش ضربات جوية عنيفة استهدفت تمركزات ومواقع الجماعة في بلدات الضليمة والفرشاية وحلة خميس والحمرا الواقعة في محيط مدينة الدلنج ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، وتشهد مدينة الدلنج والمناطق المحيطة بها أوضاعاً أمنية وإنسانية مأساوية، إذ تعاني اشتباكات عنيفة متواصلة وهجمات متبادلة بين الجيش و"الدعم السريع"، أدت إلى تحويل هذه المنطقة لبؤرة صراع نشطة،
متسببة في أزمات حادة وانعكاسات سلبية واسعة النطاق. وتسببت عمليات القصف المدفعي العشوائي والضربات بالطائرات المسيرة التي تستهدف المدنيين في مقتل وإصابة عشرات، مما أدى إلى موجات نزوح جماعي متصاعدة هرباً من جحيم المعارك، في وقت شهدت المنظومة الصحية انهياراً كاملاً وإغلاق معظم المرافق، وتفاقمت الأزمة بصورة غير مسبوقة،
بسبب النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب مغادرة معظم الأطباء والكوادر الطبية العاملة في هذه المناطق. كما يعيش سكان هذه المنطقة عزلة استنزفت مواردها الأساسية، مما جعل الحصول على الغذاء والاحتياجات اليومية تحدياً بالغ الصعوبة،
وسط مناشدات مستمرة للمنظمات الإنسانية لإنقاذ الوضع. خسائر بشرية في محور النيل الأزرق، شنت مسيرات الجيش غارات جوية مكثفة استهدفت تجمعات ومواقع "الدعم السريع" في عدد من المناطق في هذا المحور. وأفادت مصادر ميدانية بأن الضربات الجوية أسفرت عن مصرع أعداد كبيرة من عناصر الجماعة،
إضافة إلى إصابة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، ولفتت المصادر إلى أن الخسائر امتدت لتطاول الترسانة العسكرية التي تعتمد عليها الجماعة في تحركاتها، إذ تم تدمير 14 مركبة قتالية بالكامل. تدمير رتل في محور دارفور،
تمكن طيران الجيش من تدمير رتل عسكري تابع لـ"الدعم السريع" أثناء توغله داخل الأراضي السودانية باتجاه الحدود مع ليبيا، وفق مصادر عسكرية أشارت أيضاً إلى أن الغارات الجوية استهدفت المركبات القتالية والآليات التي كانت تشكل الرتل المتحرك، مما أسفر عن تدميرها بالكامل وإيقاع خسائر كبيرة في الأرواح. وتأتي هذه العملية في ظل تصاعد وتيرة العمليات العسكرية،
وتزايد التحذيرات من استغلال الحدود الغربية لنقل الإمدادات والتعزيزات القتالية للجماعة. واعتبر مراقبون عسكريون الضربة الجوية بمثابة يقظة وجاهزية للجيش وتأكيد امتلاكه منظومة رصد متطورة قادرة على تعقب المجموعات المسلحة فور تجاوزها الحدود، فضلاً عن إصراره على قطع خطوط الإمداد الخارجية ومنع أية محاولات لتغيير موازين القوى الميدانية عبر تحركات عبر الحدود. وتداول كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً تبين حجم الدمار الهائل الذي لحق بالرتل العسكري،
وأظهرت الصور بقايا المركبات القتالية المحترقة والمتناثرة في المناطق المفتوحة، مما يعكس مدى دقة الضربات التي استهدفت هذا الرتل أثناء تحركه من الحدود الليبية باتجاه إقليم دارفور. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تهيئة العاصمة في منحى آخر، أفاد المتحدث باسم قوات الشرطة السودانية فتح الرحمن محمد التوم بأن لجنة فرض هيبة الدولة تمكنت من إخلاء العاصمة من التشكيلات العسكرية غير النظامية،
في إطار الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار وتطبيق سيادة القانون في المناطق المحررة. وبين التوم أن الوجود المحدود لبعض العناصر الذي قد يرصد حالياً لا يمثل اختراقاً أمنياً، بل يعود في المقام الأول لترتيبات إدارية أو لأسباب إنسانية تتعلق بتلقي العلاج، لافتاً إلى أن هذه الحالات تخضع للرقابة والمتابعة المستمرة من السلطات المختصة.
وأشار المتحدث باسم الشرطة إلى أن عمل لجنة هيبة الدولة مستمر بفاعلية عالية، إذ تواصل التنسيق مع الوحدات العسكرية والشرطية كافة لضمان خلو العاصمة تماماً من أي وجود مسلح غير قانوني، لتهيئة المناخ الملائم لعودة الحياة الطبيعية واستئناف تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين في أرجاء الولاية كافة. وتشدد الشرطة السودانية على أهمية تعاون المواطنين مع القوات النظامية في الإبلاغ عن أي تجاوزات،
مؤكدة أنها لن تتهاون في التعامل مع أي خروقات للقانون. تحذير دولي دولياً، أطلقت عشرات الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، أمس الخميس،
تحذيراً من تصعيد "الدعم السريع" هجومها على مدينة الأبيض، مما قد يؤدي إلى فظائع واسعة النطاق، وقال بيان مشترك صادر عن بريطانيا والنروج ومجموعة من الدول، على هامش اجتماعات مجلس حقوق الإنسان في جنيف،
"نحن قلقون للغاية من خطر التصعيد الوشيك على الأرض في مدينة الأبيض، مما يترك ما يقرب من نصف مليون مدني عرضة لخطر الوقوع ضحايا لفظائع واسعة النطاق، بما في ذلك أكثر من 100 ألف نازح داخلي"، وأضاف البيان "نشعر بقلق بالغ إزاء الأخطار الوشيكة لوقوع فظائع وجرائم قتل متعمدة في السودان"،
مشيراً إلى أن مدينة الأبيض وشمال كردفان شهدتا نحو 10 أيام متتالية من غارات الطائرات المسيرة التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 50 مدنياً وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية المدنية. وحث التحالف الدولي في بيانه كل الدول على ممارسة أقصى قدر من الضغط على قوات "الدعم السريع"، إلى جانب القوات المسلحة السودانية، لمنع الفظائع وحماية المدنيين. جاء هذا التحذير على إثر رصد حشود للجماعة حول مدينة الأبيض على مسافات يقدرها مراقبون عسكريون بنحو 50 كيلومتراً كدائرة قطرية،
بينما وسع الجيش السوداني من دائرة عملياته الحربية لمنع تقدم هذه القوات صوب المدينة. انخفاض التضخم اقتصادياً، أكد الجهاز المركزي للإحصاء في السودان انخفاض معدل التضخم في مايو الماضي بنسبة 1.34 في المئة، إذ بلغ 44.50 في المئة مقارنة بـ45.84 في المئة سجلت في الشهر الذي سبقه،
وظل معدل التضخم يواصل الانخفاض بعد أن بلغ أعلى مستوى عند 422 في المئة في يوليو (تموز) 2021. وذكر الجهاز في بيان أن "معدل التغير في المستوى العام للأسعار بلغ 44.50 في المئة في مايو عام 2026، مما يعني أن مستوى الأسعار ارتفع بهذه النسبة مقارنة بنظيره عام 2025"، وأوضح البيان أن معدل التضخم خلال مايو في المناطق الحضرية انخفض إلى 41.11 في المئة من 49.70 في المئة في أبريل (نيسان)،
فيما ارتفع معدله في المناطق الريفية إلى 46.83 في المئة مقارنة بـ43.62 في المئة سجلت في الشهر الذي سبقه. ويعتمد الجهاز المركزي للإحصاء في قياس التضخم على 663 سلعة تمثل نمط استهلاك المجتمع بفئاته الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية في الريف والحضر، موزعة على 12 مجموعة، تتصدرها مجموعة الأغذية والمشروبات،
تليها التبغ، ثم الملابس والأحذية، إضافة إلى السكن والكهرباء والوقود والصحة والنقل والاتصالات والتعليم وغيرها. وينفق السودانيون 52.89 في المئة من دخلهم على السلع ضمن مجموعة الأغذية والمشروبات،
و14.17 في المئة على مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، و8.34 في المئة على مجموعة النقل. وبين جهاز الإحصاء أن معدل التضخم في مايو انخفض في 10 ولايات، إذ سجل أعلى تراجع في شمال دارفور بنسبة 58.89 في المئة،
فيما ارتفع في سبع ولايات، كان أعلاها في الخرطوم بنسبة 19.58 في المئة، بينما حافظ على استقراره في ولاية غرب كردفان. ويشكو السودانيون،
الذين فقد معظمهم سبل العيش ومصادر الدخل بسبب النزاع القائم، ارتفاع أسعار السلع بمعدلات تصعب مجاراتها، في ظل انعدام فرص العمل نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية والأنشطة التجارية والزراعية.