تشهد مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان تصعيداً ميدانياً متزايداً، إذ صد الجيش أمس الثلاثاء هجوماً برياً جديداً شنته قوات "الدعم السريع" على المدينة، مستهدفاً الجزء الجنوبي الغربي، وذلك بعد ساعات من قصفها الأحياء الشرقية للمدينة بواسطة طائرات مسيرة،

وهو الهجوم السابع على التوالي. وافادت مصادر ميدانية، بأن الفرقة الخامسة مشاة (الهجانة) التابعة للجيش تمكنت من صد الهجوم وإجبار القوة المهاجمة على التراجع بعد اشتباكات عنيفة استمرت لفترة من الزمن، فضلاً عن تكبدها خسائر كبيرة،

إلى جانب الاستيلاء على عدد من المركبات القتالية وأسر عدد من جنودها الذين شاركوا في هذا الهجوم الغادر. في الوقت ذاته، استهدفت مسيّرات تابعة لـ"الدعم السريع" مدينة الأبيض، وركزت على أحيائها الشرقية بصورة مكثفة شملت أعيان مدنية،

وأدت إلى دمار واسع مع تصاعد أعمدة الدخان، وهو استهداف متواصل منذ أسبوع أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال. وتضررت أحياء سكنية وأسواق والمستشفى الرئيس في المدينة.

وأدى القصف المتكرر إلى نزوح آلاف الأسر من الأطراف إلى وسط المدينة أو إلى ولايات مجاورة، وسط نقص حاد في المياه والكهرباء والخدمات الأساسية. وتأتي هذه الهجمات في ظل حالة ترقب وحذر تشهدها المدينة، وسط محاولات مستمرة من الجماعة لاستهداف المناطق السكنية وترويع المواطنين عبر التسلل الجوي المتكرر.

وتحظى مدينة الأبيض بأهمية استراتيجية كبيرة نظراً لموقعها الجغرافي ودورها الحيوي في ربط عدد من الولايات، ما يجعلها محوراً رئيساً في التطورات العسكرية الجارية. في سياق متصل، نفذت القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة عمليات تمشيط واسعة شملت عشرات القرى والمناطق الاستراتيجية الواقعة غرب مدينة الأبيّض،

والممتدة إلى عمق عشرات الكيلومترات. ووفقاً لمصادر عسكرية، فإن عمليات التمشيط شملت مناطق واسعة من الأجزاء الغربية لعاصمة شمال كردفان بدءاً من الشكلا وضربين، مروراً بمنطقة أمدلف وأگو،

وصولاً إلى المناطق الواقعة غرب أم رماد والمحيط الحيوي لأم بحرس وجبل الميتان. وأشارت تلك المصادر إلى أن عمليات التمشيط الجارية في هذا النطاق الجغرافي الواسع، تؤكد أن محيط مدينة الأبيض تحت السيطرة التامة، وأن محاولات قوات "الدعم السريع" المستمرة من وقت لآخر هي "محاولة بائسة لرفع معنويات عناصرها المنهارة بعد تلقيهم ضربات موجعة".

تأمين الوقود في الأثناء، نجحت وحدات من الجيش في تأمين وصول قافلة وقود ضخمة إلى مدينة الأبيض، مما يعزز استقرارها وتأمين حاجاتها الأساسية. وشارك في عمليات تأمين هذه القافلة وحدات برية وجوية متخصصة،

لضمان سلامة مسارها وصولاً إلى وجهتها النهائية، وفق مصادر مقربة من الجيش. وأكدت المصادر ذاتها بأن هذه العملية تعد بمثابة تأكيد على يقظة الجيش في تأمين طرق الإمداد الحيوي وحماية المناطق الاستراتيجية من أي تهديدات، في وقت يمثل وصول هذا الإمداد الضخم دفعة قوية للخدمات الحيوية في هذه المدينة،

على رغم التحديات الميدانية الكبيرة التي تفرضها الحرب. ونوهت المصادر بأن تأمين هذه الكميات الوفيرة من الوقود يأتي ضمن الاستراتيجية المتبعة لضمان استدامة تدفق السلع والموارد الأساسية إلى المدن التي تشهد طلباً متزايداً، مما يعزز من صمود مدينة الأبيض ويحبط المخططات الرامية لقطع الشرايين الحيوية للمدينة. غارات جوية في المحور نفسه،

نفذ طيران الجيش أمس الثلاثاء سلسلة غارات جوية دقيقة باستخدام مسيرات متطورة، استهدفت معاقل وتمركزات "الدعم السريع" في جبهات القتال الواقعة في شمال وغرب وجنوب كردفان. وتركزت الغارات، بحسب مصادر عسكرية على المناطق المتاخمة لبارا بشمال كردفان ومحيط الخوي والنهود بغرب كردفان مما أحدث شللاً تاماً في قدرة "الدعم السريع" على المناورة أو إعادة التجمع،

فضلاً عن إفشال خططها الرامية لتنفيذ أي أعمال عدائية في تلك النواحي، وإجبارها على الانكفاء من مواقعها تحت وطأة النيران الدقيقة. كما أدت الضربات أيضاً إلى تحييد القوة الصلبة للقوات المتمردة ومنعها من التحرك في ولايتي شمال كردفان وغربها، في ظل مساعي الجيش المستمرة لتطهير هذه المناطق من أي تواجد لتلك القوات المعادية.

كذلك شن طيران الجيش المسير سلسلة هجمات على مواقع تحالف "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية - شمال" المتمركزة في غرب وشمال مدينة الدلنج ثاني كبرى مدن جنوب كردفان. وذكرت المصادر ذاتها أن الجيش دمر من خلال هذه الهجمات 3 مركبات قتالية للجماعة في منطقة الكدر الواقعة شمال الدلنج. وتأتي هذه العمليات الميدانية لتؤكد التحول الاستراتيجي في إدارة المعارك عبر الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية المتطورة التي تتيح للقوات المسلحة السودانية رصد أهداف القوات المعادية بدقة متناهية، وفق مراقبين عسكريين.

وأكد المراقبون أن نجاح هذه الضربات يعكس تفوقاً استخباراتياً وميدانياً واضحاً، إذ أصبحت مساحات شاسعة في كردفان تحت المراقبة اللصيقة للجيش الذي بات يمتلك زمام المبادرة. حماية المدنيين في المنحى ذاته، طالبت "الحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الثوري الديمقراطي"،

المجتمع الدولي والإقليمي للتحرك الفوري من أجل حماية المدنيين في مدينة الأبيض التي تتعرض منذ نحو أسبوع لهجمات جوية متواصلة تشنها مسيّرات "الدعم السريع"، تسببت في قتل أعداد كبيرة من المدنيين وتدمير محطات الوقود وشاحنات المواد الغذائية في الطرق القومية، وهو ما تسبب في ندرة كبيرة في الطاقة وغلاء فاحش في أسعار السلع. في وقت تؤوي المدينة آلاف النازحين الفارين من مناطق محيطة بها،

علاوةً على فارين من ولاية غرب كردفان وإقليم دارفور. ورأت الحركة في بيان أن "استمرار استهداف المناطق المدنية والبنية التحتية الأساسية في الأبيض يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان مع تفاقم الأوضاع الإنسانية، وهي تمثل مؤشرات خطيرة تستوجب تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي والإقليمي والسوداني لمنع وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان". وأشار البيان إلى التدهور الخطير للأوضاع الأمنية والإنسانية في المدينة وما حولها،

في ظل استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة والقتال المتواصل بين طرفي الحرب للأسبوع الثاني على التوالي، واستمرار تساقط الطائرات المسيّرة فوق رؤوس المدنيين وتسببها في عمليات قتل وإشاعة الرعب والإرهاب وجرائم الحرب وسط آلاف المدنيين، وهو ما يهدد حياة المدنيين وسلامتهم وأمنهم. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ولفت البيان إلى تعرض مناطق مدنية وبنية تحتية حيوية للاستهداف في المدينة،

بما في ذلك محطتا وقود رئيسيتان، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة الوقود وتعطيل حركة المواطنين والخدمات الأساسية. منوهاً بأن الأبيض تواجه كذلك صعوبات متزايدة في الحصول على مياه الشرب والإمداد الكهربائي وشح الدواء، إلى جانب شح المواد الأساسية وضروريات الحياة والأدوية المنقذة مع تراجع القدرة المعيشية للسكان.

وأوضح البيان أن المدينة تعاني من انفلاتات أمنية مستمرة منذ أكثر من شهرين، أسفرت عن سقوط ضحايا بين المدنيين، مما يعكس حالة انهيار أمني ويزيد من الأخطار المحدقة بالسكان المدنيين. وطالبت الحركة الشعبية بوقف إطلاق النار مع التوافق حول هدنة إنسانية في ما أسماه بـ "مثلث الموت" المؤلف من مدن الأبيض،

والدلنج، وكادوقلي، وكامل إقليم كردفان. مناشدةً الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية المختصة بالتحرك العاجل لرصد الأوضاع في الأبيض وتعزيز الاستجابة الإنسانية للسكان المتضررين.

احتجاز تعسفي إلى ذلك، كشفت بعثة تقصي الحقائق في شأن السودان عن أنماط من الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري تمارسه أطراف النزاع في السودان بشكل متزايد للسيطرة على السكان المحاصرين في البلاد. وأشارت البعثة في تقرير قدمته إلى مجلس حقوق الإنسان، بأن الانتهاكات الواسعة النطاق للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني،

وجرائم الحرب التي ترتكبها القوات المسلحة السودانية وقوات "الدعم السريع" والمتحالفون معهما لا تظهِر أي مؤشرات على التوقّف. كذلك قد تشكل هذه الأفعال الجسيمة جرائم ضد الإنسانية. ووثّقت البعثة نمطاً ممنهَجاً من الاحتجازات الجماعية والتعسفية على يد القوات المسلحة السودانية وعناصر "الدعم السريع" ضد أشخاص، استناداً إلى تَصوّر ارتباطهم أو تعاطفهم مع الطرف الآخر.

ويقوم الطرفان باحتجاز أفراد لمزاعم "التعاون مع العدو"، في ظروف بالغة القسوة، ومن دون أي أساس قانوني، أو ضمانات محاكمة عادلة،

أو رقابة قضائية. ويتعرض أشخاص للاحتجاز المطوّل أو التعذيب أو الاختفاء القسري أو حتى الموت. وتشمل الفئات المستهدفة صحافيين، ومدافعين عن حقوق الإنسان،

وعاملين في المجال الإنساني، ونشطاء سياسيين، وقيادات دينية ومجتمعية، وجهات فاعلة في المجتمع المدني،

وتجّار، ومدنيين عاديين، وأفراد عائلات المقاتلين، وفق البعثة.

وأبدت البعثة قلقها البالغ إزاء اعتقال ما لا يقل عن 70 شخصاً في الجنينة خلال شهر مايو أايار) الماضي من قبل الاستخبارات العسكرية التابعة لـ"الدعم السريع". ومن بين المحتجزين عاملون في المجال الإنساني. ولم ترِد أي معلومات عنهم منذ ذلك الحين. كذلك وثّقت البعثة استمرار قيام القوات المسلحة السودانية بمضايقة واعتقال واحتجاز قادة مدنيين،

ومعارضين سياسيين، ومحامين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وعاملين في المجال الإنساني،

وصحافيين، اشتُبِهَ في تعاونِهم مع "الدعم السريع".