حسمت سوريا الجدل حول هوية نظامها المالي والاستثماري الجديد، بتبني مسار الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص كبديل جذري لخيار الخصخصة المطلقة. ويمثل هذا التحول خروج القطاع الخاص من دور المساند الهامشي إلى قاطرة التنمية الاقتصادية والشريك الأساسي في قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.ويأتي هذا التوجه الاستراتيجي تتويجاً لحوار وطني موسع لعام 2026، يهدف إلى استقطاب الرساميل الوطنية والمهاجرة وإعادة ربط سلاسل القيمة المحلية،
مع إعادة صياغة دور الدولة بوصفها منظماً وضامناً للسوق الحرة. ويسعى المسار إلى ردم فجوة الثقة الممتدة لسنوات، وبناء اقتصاد سوق اجتماعي منفتح يوازن بين حرية المبادرة الفردية والمسؤولية التنموية الشاملة.المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاصأسدلت العاصمة السورية دمشق الستار على أعمال المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص في سوريا لعام 2026، والذي عُقد على مدار ثلاثة أيام في قصر المؤتمرات.
ويعد هذا الحدث الأول من نوعه في البلاد منذ بدء مرحلة التحول السياسي والاقتصادي إثر سقوط النظام السابق نهاية عام 2024.نظم المؤتمر وزارة الاقتصاد والصناعة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبتمويل ودعم من الحكومة اليابانية. وشهد المؤتمر مشاركة واسعة ناهزت 500 شخصية اقتصادية، ضمت وزراء،
وممثلي الجهات العامة، وغرف التجارة والصناعة والزراعة، ومجالس الأعمال، بالإضافة إلى خبراء ورجال أعمال من داخل سوريا وخارجها ومنظمات دولية.استهدف المؤتمر صياغة رؤى وتوصيات عملية تسهم في دعم مسار التعافي والتنمية الشاملة.
وتتقاطع الرؤية الاقتصادية الجديدة مع أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، التي تنظر إلى التنوع الاقتصادي كأصل استراتيجي؛ حيث يُنظر إلى القطاع الخاص السوري كمنظومة حيوية متنوعة ومرنة تتوزع على عدة مستويات، أبرزها المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة التي تشكل أكثر من 90% من بنية الأعمال في سوريا، والشركات العائلية والورش الحرفية،
والمنتجون الزراعيون والمصنعون المحليون.هوية الاقتصاد الجديدأوضح الخبير الاقتصادي أسامة قاضي، المستشار الأول لشؤون السياسات الاقتصادية المحلية في وزارة الاقتصاد والصناعة، أن المؤتمر أزال اللبس بشأن هوية الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة. وأكد أن التوجه هو نحو اقتصاد السوق الموجه،
أو اقتصاد السوق الاجتماعي، حيث يمثل القطاع الخاص قاطرة التنمية الاقتصادية، في حين أن القطاع العام لا يواجه مصير الخصخصة والحكومة تنتهج مسار الشراكة مع القطاع الخاص.وأوضح قاضي أن هوية الاقتصاد الجديدة تؤكد آليات العرض والطلب الحرة دون احتكار، مع التأكيد على الحكم الرشيد ودور الدولة في مراقبة تطبيق القوانين لخلق بيئة استثمارية جاذبة من خلال فرض معدلات ضريبية محفزة للنشاط الاقتصادي.قانون الاستثمار 114من خلال قانون الاستثمار 114 لعام 2025،
أعفت الحكومة السورية كل النشاط الزراعي والتعليمي من الضرائب، وشجعت الإنتاج الصناعي. أي شركة استثمارية تصدر أكثر من 50% من إنتاجها تُعفى من 80% من الضرائب، والضريبة عموماً لا تتجاوز 15%،
إضافة إلى إعفاء خطوط الإنتاج والآلات المستخدمة في عمليات الإنتاج من أي ضريبة.تساعد اللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة التي تشكل أكثر من 90% من هيكل الأعمال في سوريا، من خلال خطوط الائتمان وقروض ميسرة وحاضنات ومسرعات أعمال، بالإضافة إلى تشجيع تلك المشروعات على المشاركة في المعارض المحلية والعالمية عبر مجالس الأعمال التي تم الإعلان عنها خلال المؤتمر في أكثر من 17 دولة.رؤية الوزير للتوازن الاقتصاديقال وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار في الجلسة الافتتاحية، إن سوريا تتجه نحو بناء نموذج اقتصادي جديد يجمع بين الواقعية والطموح والانفتاح،
وتنظر باهتمام إلى الدول التي حققت نماذج ناجحة وقفزات تنموية خلال فترات زمنية قصيرة، بهدف التعلم والتكييف وبناء نموذجها الخاص انطلاقاً من إمكانياتها وموقعها الاستراتيجي وطاقات شعبها وخبرات أبنائه في الخارج والداخل.أوضح الشعار أن تبني نهج الاقتصاد الحر لا يعني غياب الدولة ولا ترك ضوابط السوق، فالتجارب الناجحة أثبتت أنها مبنية على نموذج متوازن بين حرية المبادرة ودور الدولة الاستراتيجي. وأضاف أن النهضة الاقتصادية الحديثة لا تُبنى بالشعارات بل بالكفاءة والانضباط والاستقرار وبشراكات حقيقية،
واقتصاد يمنح الفرصة للمبادرة والإبداع والإنتاج ضمن رؤية وطنية واضحة.أشار الوزير إلى أن دور الدولة الاقتصادي لا يختزل في نقاش بين الملكية العامة والخصخصة، ولا ينظر إلى الخصخصة باعتبارها تهمة أو خياراً افتراضياً أو حلاً تلقائياً للتحديات الاقتصادية، موضحاً أن القيمة الحقيقية للأصول العامة لا تكمن في سعر بيعها بل في قدرتها على خلق قيمة مضافة ومستدامة للاقتصاد الوطني.قطاعات التحالف الاستراتيجيأوضح الخبير الاقتصادي أسامة قاضي أن القطاعات الحيوية المرشحة لقيادة التحالف بين القطاعين العام والخاص هي: الزراعة والتصنيع الزراعي والطاقة والنقل والبنية التحتية والإعمار. وأشار إلى أن سوريا بلد بكر لم يُستثمر أكثر من 5% من إمكانياتها ومواردها،
وتم تهميش مكانتها الجيوسياسية التي تدعم أكثر من ثلث موازنة سوريا.واعتبر قاضي أن الأهم في العلاقة بين القطاعين الخاص والعام هو وضوح الشراكة والشفافية في العقود المبرمة بينهما، واعتماد معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. ويبرز التوجه نحو التحول الأخضر والاستخدام الرشيد للموارد كضرورة اقتصادية لخفض تكاليف التشغيل وتأهيل المنتجات السورية للأسواق العالمية.مأسسة الشراكة وردم فجوة الثقةيمثل انعقاد حوار القطاع الخاص داخل دمشق لأول مرة منذ انطلاقه عام 2018 علامة فارقة في مأسسة وتوطين الحوار. ويرى الخبير الاقتصادي زياد عربش أن هذا التحول يسهم في ردم فجوة التصورات وبناء الثقة المتبادلة من خلال نقل النقاش من المنفى إلى أرض الواقع،
حيث يلتقي الصناعيون والتجار مع الحكومة على نفس التحديات، ومن خلال حوار مباشر دون وسيط دولي، ووجود كافة الفاعلين في مكان واحد يخلق ضغطاً مجتمعياً للالتزام.تسهم مأسسة الحوار عبر تحويله من مبادرة مؤقتة إلى آلية مؤسسية دائمة تابعة لوزارة الاقتصاد وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تحويل النقاش النظري إلى عملية اتخاذ قرار واقعية.تعمل الحكومة السورية منذ تحرير البلاد على استعادة النمو الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية للمشاركة في إعادة بناء الاقتصاد. ويقدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار،
بينما بلغت قيمة الخسائر المادية المباشرة نحو 108 مليارات دولار. وفي ظل حذر الرساميل الأجنبية، يجمع الخبراء على أن رأس المال السوري المغترب وشبكات الشتات هما المحرك الأكثر واقعية وسرعة لقيادة التمويل في المدى القريب.يرى عربش أن ترجمة المخرجات والتوصيات إلى خطط تنفيذية محددة بجدول زمني تلتزم بها الجهات العامة، تتطلب آلية مؤسسية واضحة تشمل تشكيل لجنة تنفيذية مشتركة وبرامج زمنية لكل مشروع وربط الخطط بميزانيات واقعية وإنشاء نظام رصد ومتابعة وربط الالتزام بالحوافز والعقوبات.تشمل الضمانات القانونية لتشجيع رساميل المغتربين ما تضمنه القانون 114 لحماية الملكية الخاصة والصناعية وقوانين ضمان تحويل الأرباح بالعملات الصعبة وتسهيلات تحويل مالي من الخارج وقروض ميسرة للمشاريع المشتركة وتفعيل التمويل التأجيري،
بالإضافة إلى الحوافز الاستثمارية من إعفاءات ضريبية تمتد من 5 إلى 10 سنوات وأراض صناعية بأسعار رمزية وشراكات البناء والتشغيل والنقل مع القطاع العام.المنصة الدولية للتمويل المشتركشدد عربش على أهمية بناء جسور تواصل مع مؤسسات التمويل الدولية، مستنداً إلى الحضور الدولي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة اليابانية كضامن دولي موثوق يحفز البنك وصندوق النقد الدوليين وبنوك التنمية الإقليمية على الانخراط في المشهد الاقتصادي الجديد. وأوضح أن قوة دور البرنامج تكمن في قدرته على تحقيق تكامل بنيوي على مسارين: ميداني يركز على دعم سبل العيش وتطوير قطاع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة، واستراتيجي يستهدف إصلاح وتطوير بيئة الأعمال على المستوى الوطني.وخلص عربش إلى أن المطلب الأكثر إلحاحاً اليوم هو تحويل هذا الحوار إلى منصة تمويل مشترك قادرة على صهر الموارد العامة وأموال المانحين والرساميل الخاصة في بوتقة إنتاجية واحدة،
بما يضمن تحويل طاقات القطاع الخاص من مجرد أداة للصمود إلى رافعة حقيقية تقود نهضة اقتصادية مستدامة. الشعار يتحدث خلال افتتاح المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص (إكس) عمال سوريون يقومون بتحميل أكياس الفريكة شمال غربي سوريا (أ.ب)