مع اندلاع الحرب في السودان منذ عام 2023، عاد مفهوم "الفزعة" إلى الواجهة كأسلوب جديد للحشد العسكري وجمع أفراد القبيلة وحلفائها، بعد أن كان من أكثر المفاهيم الاجتماعية رسوخاً في البنى القبلية. فقد خرجت "الفزعة" من طبيعتها كاستجابة عفوية لحالة طارئة،

لتتحول إلى منظومة اجتماعية تقوم على التضامن وحماية الجماعة في مواجهة التهديدات الخارجية.نشأت "الفزعة" في سياق المجتمعات الرعوية وشبه الرعوية في كردفان ودارفور، كآلية تقليدية للنجدة السريعة عند التعرض لاعتداء أو نهب الماشية. وقد استمدت هذه الممارسة قوتها من شبكة معقدة من روابط القرابة والتحالفات القبلية والأعراف الملزمة التي تجعل الاستجابة للنداء واجباً اجتماعياً وأخلاقياً. ومع تطور النزاعات،

اكتسبت "الفزعة" أبعاداً تتجاوز وظيفتها الأصلية، حيث أصبحت أداة فاعلة للحشد تلجأ إليها القبائل والمجموعات المسلحة لتعزيز القدرات القتالية وتوسيع نطاق التعبئة البشرية خارج الأطر العسكرية النظامية.يكمن جوهر فاعلية "الفزعة" في قدرتها على استنفار أعداد كبيرة من المقاتلين خلال فترة وجيزة، مستندة إلى قوة الانتماء الجمعي. كما تؤدي دوراً مهماً في الحرب النفسية من خلال إظهار التماسك الاجتماعي والقدرة على استدعاء الدعم البشري بصورة مفاجئة.

ولا يقتصر فهم "الفزعة" على اعتبارها مجرد عرف اجتماعي موروث، بل بوصفها مورداً تعبوياً استراتيجياً جرى توظيفه تاريخياً في إدارة الصراعات وإعادة تشكيل موازين القوة داخل المجال القبلي السوداني.من أبرز الأمثلة على ذلك، النزاع الذي اندلع عام 2014 بين قبيلتي الحَمَر والمعاليا في ولاية غرب كردفان، والذي تحول من حادثة قتل فردية إلى مواجهة واسعة النطاق استنفرت خلالها القبيلتان أبناءهما وحلفاءهما من مناطق متباعدة.

وقد مثلت تلك الواقعة نموذجاً واضحاً لاستمرار آليات "الفزعة" التقليدية، حيث تدفقت موجات المؤازرة القبلية استجابة لنداءات النصرة، واتسع نطاق المواجهة حتى بلغ مستوى أقرب إلى الحرب الأهلية المحلية. ولم ينته النزاع إلا عبر تسوية عرفية استندت إلى منظومة الصلح القبلية ودفع الديات والتعويضات الجماعية.برزت استمرارية هذا التقليد أيضاً في الأحداث التي شهدتها منطقة غرب بارا شمال كردفان الشهر الماضي،

حين تعرضت قرى المنطقة لهجمات مسلحة أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا. ففي ظل غياب الحماية النظامية الكافية، لجأت المجتمعات المحلية مرة أخرى إلى استدعاء شبكات "الفزعة" التقليدية لحشد الرجال وتأمين القرى وإسناد المناطق المستهدفة. وقد شهدت أدوات الاستنفار تحولاً عميقاً،

فبعدما كانت عبر وسائل تقليدية كالرسل والفرسان، أصبحت الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي تؤدي الوظيفة ذاتها بوتيرة أسرع ومدى أوسع، مما يعكس قدرة "الفزعة" على التكيف مع البيئة التقنية الحديثة.منظومة طقوستحيط بـ"الفزعة" منظومة من الطقوس والممارسات الرمزية التي تضفي عليها شرعية اجتماعية وأخلاقية، وتحولها من استجابة عملية إلى فعل جماعي مشبع بالمعاني الثقافية والدينية.

تبدأ هذه الطقوس منذ لحظة إعلان النفير، حيث يستنهض أفراد القبيلة عبر وسائط التعبئة التقليدية، كإطلاق نداءات الاستغاثة المتعارف عليها، وتداول الأشعار والأهازيج التي تشكل أحد أهم محركات الحماسة الجماعية.

ومن أبرز هذه الوسائل "الأمبايا" وهو بوق تقليدي يُصنع من قرن الثور، و"الروراي" وهو صوت نداء الاستغاثة، والنقارات (الطبول)، قبل أن تحل محلها وسائل الاتصال الحديثة.يحتل "الدوبيت" مكانة خاصة،

وهو نمط من الشعر البدوي الشفاهي يقوم على أبيات قصيرة مكثفة تحتفي بالشجاعة والفروسية والكرم والنجدة. ويبرز "الهَدّاي"، وهو شاعر جوال أو منشد شعبي يتولى نقل الأخبار والأحداث وصياغتها شعراً، مما يسهم في تعبئة الرجال واستثارة روح المنافسة القبلية.

وإلى جانبه تؤدي "الحَكّامات" دوراً محورياً، وهن نساء ذوات مكانة رمزية مرموقة اشتهرن بإنشاد الأشعار الحماسية ومدح الفرسان وتخليد بطولاتهم، مما يجعل كلماتهن أداة مؤثرة في رفع المعنويات وتعزيز الالتزام الجماعي بالمشاركة في "الفزعة".قبل تحرك الموكب، تلجأ بعض القبائل إلى ممارسات ذات طابع ديني،

فيستعان بشيوخ القبيلة لتلاوة الأدعية والأوراد طلباً للحفظ والتوفيق. وفي بعض المناطق، تُكتب آيات قرآنية على الألواح الخشبية التي تستخدم في الخلاوي، ثم تُغسل الكتابة بالماء ويُشرب الماء على سبيل التبرك.

تترافق عملية "الفزعة" أيضاً مع استعدادات لوجيستية واجتماعية واسعة، إذ تُعد كميات كبيرة من الطعام والمياه للمشاركين، وتتولى النساء جانباً مهماً من أعمال الإسناد من خلال تجهيز المؤن ورعاية الجرحى. وعند عودة المشاركين،

تقام مراسم استقبال جماعية تتخللها التكبيرات والتهليلات وإطلاق الأعيرة النارية في الهواء في بعض المناطق، كما تُذبح الذبائح وتُقام الولائم العامة.دور محوريأولى آليات "الفزعة" تتمثل في الاستنفار الفوري، إذ يكفي إطلاق نداء الاستغاثة المتعارف عليه داخل البنية القبلية حتى تبدأ عملية حشد واسعة تستند إلى شبكات القرابة والانتماء المشترك. ويتجمع رجال القبيلة وشبابها فوراً بأسلحتهم من دون حاجة إلى ترتيبات عسكرية معقدة.

وتمتد "الفزعة" عبر الحدود الجغرافية، حيث تهب الفروع العشائرية الموجودة في دول الجوار مثل تشاد أو أفريقيا الوسطى لنجدة أبناء عمومتهم داخل السودان.تؤدي "الفزعة" أيضاً وظيفة تعويضية في بيئات الصراع، إذ توفر تدفقاً مستمراً للمقاتلين عند تعرض الجماعة لخسائر بشرية أو تراجع ميداني، مما يمنحها قدرة على إطالة أمد المواجهات.

ويسهم الخطاب المرتبط بالشرف والواجب الجماعي في استقطاب أعداد كبيرة من الشباب والمراهقين وإدماجهم في النزاعات المسلحة. كما أنها تؤدي دوراً محورياً في حماية الحواكير ومجالات النفوذ القبلي، من خلال توفير منظومة إسناد لوجيستي متكاملة تشمل الغذاء والمأوى ووسائل النقل والمعلومات اللازمة.كثيراً ما عمدت الحركات المسلحة خلال الحرب في دارفور إلى توظيف هذا العرف لمصلحتها العسكرية والسياسية، عبر استمالة القيادات الأهلية وزعماء العشائر لإطلاق نداءات "الفزعة" وتعبئة المجتمعات المحلية خلف أهداف الصراع.

وفي هذه الحالة، يُعاد تأطير المشاركة في القتال باعتبارها التزاماً أخلاقياً لحماية الأرض والجماعة والكرامة الجمعية، مما يضفي على التعبئة المسلحة قدراً من الشرعية الاجتماعية.عوامل متشابكةقبل عام 1989، كانت السمة الغالبة لأسباب الصراع القبلي تتمثل بالمرعى والماء والأراضي بين الرعاة والمزارعين.

لكن بعد انقلاب 1989، دخلت عوامل جديدة كالتحامل العنصري والاستقطاب الإثني والتسييس الحاد للانتماءات القبلية، وتوظيفها في معادلات السلطة والإخضاع، وأبرزها الصراع بين قبيلة الفور ضد عدد من القبائل العربية.

لا تزال المراعي والمياه والسرقات المرتبطة بالثروة الحيوانية تمثل نسبة كبيرة من مسببات الصراع، إلا أن هذه العوامل باتت متشابكة مع اختلالات بنيوية في الدولة، تعكس أزمة تنمية وتدهور البنية الخدمية وضعف القوانين وتراجع فاعلية الأجهزة الأمنية والإدارية.برزت ظاهرة عسكرة القبائل، حيث انتظمت تشكيلات مسلحة شبه نظامية داخل البنى القبلية،

لم تعد مقتصرة على المقاتلين التقليديين، بل انخرط فيها متعلمون وموظفون وتجار وزعماء إدارات أهلية. وقد امتلكت بعض القبائل قوات مزودة بمركبات دفع رباعي وتسليح متطور، تُقدم بوصفها أدوات لحماية المجال القبلي وتأمين الموارد.

نتج عن ذلك أن تكونت قوات لكل قبيلة لحمايتها، وأصبح للصراعات القبلية المسلحة والحرب في دارفور أمراء يحركونها من أجل الكسب، ويطلق عليهم "العقداء".استمرار هذا النسق مرهون بقدرة الدولة على استعادة احتكار العنف المشروع وإعادة تنظيم إدارة الموارد. فكلما تراجعت مؤسسات الحوكمة،

تعززت البنى القبلية المسلحة كبديل وظيفي للأمن والحماية، وترسخ منطق الاعتماد على الجماعة بدل الدولة. الخطر لا يكمن في السلاح وحده، بل في ترسخ البنية الاجتماعية للعسكرة كنظام لإنتاج الشرعية والمكانة داخل المجتمع،

مما يستدعي مقاربة شاملة تعيد بناء المجال العام على أسس مؤسسية عادلة.