يعيش سكان مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان أوضاعاً إنسانية كارثية، في ظل تصاعد المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية – شمال. تتفاقم الفجوة في النقص الحاد للغذاء والرعاية الصحية، إلى جانب شح مياه الشرب،

فيما يظل شبح الجوع والمرض يطارد المواطنين.تعاني العمليات الإنسانية من قيود شديدة جراء التدهور الأمني وإغلاق الطرق الرئيسة، وتعجز السلطات المحلية عن توفير احتياجات السكان. وأدى انعدام الغذاء وارتفاع مستويات الجوع إلى انتشار أمراض سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل، اللواتي يواجهن تحديات هائلة سواء في المدينة أو في المناطق البعيدة المكتظة بالفقر والغلاء والأوبئة.ندرة السلع واحتكار الأسعارأكد أحد سكان حي الملكية أن الوضع تجاوز حدود الاحتمال،

مع استمرار إغلاق الطرق التي تسهل وصول البضائع والمواد الغذائية والأدوية، فضلاً عن توقف إمدادات السلع من منطقة النعام الحدودية مع جنوب السودان بسبب عمليات النهب المسلح. وأشار إلى أن كثيراً من السلع الضرورية كالدقيق والزيوت والرز والعدس والبصل قد نفدت، فيما استغل التجار الظروف لرفع الأسعار واحتكار البضائع وتخزينها لخلق ندرة وبيعها بمبالغ خيالية.بدوره،

أوضح أحد سكان منطقة الرديف أن الأوضاع المعيشية والإنسانية متردية، وأن الجوع دهم غالبية السكان، وصار مئات المواطنين بالكاد يحصلون على وجبة واحدة في اليوم بعد ارتفاع أسعار الذرة والدخن لأرقام قياسية. وأضاف أن الوضع ينحدر إلى الأسوأ مع تنامي ندرة السلع الاستهلاكية وانعدام السيولة النقدية،

فيما يتحمل المواطن وحده هذا الألم الذي استنزف أمواله ومدخراته.انتشار أمراض سوء التغذيةأدى ارتفاع مستويات الجوع إلى انتشار أمراض سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل. كثير من الأسر لا تستطيع تأمين الرعاية الطبية بعد انهيار القطاع الصحي وافتقار المستشفيات والإمدادات الطبية للأدوية والوسائل العلاجية. وأفادت إحدى السكان في منطقة بانت بأن أزمة الغذاء تسببت في تدهور صحة كبار السن ونقص مناعتهم، مع صعوبة العثور على الطعام،

خصوصاً في ظل انعدام فرص العمل وتوقف مصادر الدخل.أزمة الدواء والكهرباءتفاقمت أزمة الدواء بشكل غير مسبوق، حيث تعاني معظم الصيدليات من ندرة في أدوية السكري والضغط. وحتى الأنسولين المتوافر لا يمكن تخزينه بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة. وأشارت سكان إلى تزايد المخاوف من انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة تلوث المياه وعدم صلاحيتها،

إلى جانب ضربات الشمس، فيما يتسابق المواطنون منذ الصباح الباكر لشراء المياه من العربات التي تجرها الدواب. وأدى انقطاع الكهرباء لأكثر من 30 يوماً إلى توقف عمل المطاحن، واضطرت النساء لاستخدام حجر الرحى لطحن حبوب الذرة لتوفير الدقيق.مجاعة من المرحلة الخامسةكشف تقييم ميداني شمل 289 أسرة من نازحين ومجتمع مستضيف عن تدهور واسع في مؤشرات الصحة والغذاء والمياه والحماية داخل كادوقلي.

وأظهر التقييم أن المجاعة من المرحلة الخامسة (وفق التصنيف الدولي للأمن الغذائي) لا تزال قائمة، مع استمرار الحرب وما صاحبها من نزوح ونهب وتعطيل لسبل المعيشة. واعتمدت 80% من الأسر على النقد الورقي لشراء الغذاء، فيما تلقت 36% مساعدات غذائية،

واعتمدت 26% فقط على الإنتاج المحلي. وأظهرت البيانات أن 30% من الأسر تقع ضمن فئة الاستهلاك الغذائي، ولم تسجل سوى 20% مستويات غذائية مقبولة. كما كشف التقييم عن معدلات مرتفعة لسوء التغذية بين الأطفال،

بلغت 31%، مع نسبة أعلى بين أطفال المجتمع المستضيف (42%) مقارنة بالنازحين (27%).وأكدت غرفة طوارئ جنوب كردفان أن المدينة تعيش أسوأ حالاتها من ناحية تردي الأوضاع الإنسانية، مع انهيار القطاع الصحي وخروج المستشفيات عن الخدمة بسبب القصف المدفعي والجوي، واستهداف الطواقم الطبية.

وحذرت من أن الوضع ينذر بالخطر، ولا بد من حلول عاجلة لإنقاذ الأطفال والنساء الحوامل، وإلا سيهدد الموت مئات السكان في الأشهر المقبلة.