لم يكُن للذكرى 250 لإعلان استقلال أميركا صدى في دوائر السياسة والمعارف في السودان. وهو مستغرب من صفوته الحداثية التي قامت قواعد مشروعها للنهضة الوطنية على الخبرة الليبرالية الأميركية منذ السبعينيات سواء في النظام الرئاسي، أو الديمقراطية، أو نظرية النقد العرقية،

أو نأي الجيش عن السياسة والاقتصاد. ويأتي مطلب تلك الصفوة للعلمانية، ملطفاً بـ"المدنية"، على رأس كل ما سبق ذكره.

ولا يذكرون مع ذلك خبرة أميركا في الحرب الأهلية فتحول دونها عقيدتهم في "لا للحرب" القائمة على أنه لا انتصار لطرف على طرف في الحرب، أي حرب، عملاً بقاعدة ذهبية من صنعهم، هي أن التفاوض هو نهاية الحروب.

 وتسفر هذه الغفلة عن الخبرة الأميركية لمَن اعتنقها في يوم من أيام ذكراها وجرد حسابها، ضمن أشياء أخرى، عن خطيئة معلومة في تبني صفوة العالم الثالث لخبرات الغرب، مثل العلمانية.

وأظهر ما يكون هذا في مطلب الحركة الشعبية (عبدالعزيز الحلو) لعلمانية الدولة. فاشترطوا أنه إذا لم يتوافق غيرهم في الأمة، النص على هذه العلمانية في الدستور، نالوا كشرط جزاء حق تقرير المصير،

فإما بقوا في السودان أو غادروه غير عابئين. والخطيئة هنا في عقيدتهم أن الخبرة الغربية مثل العلمانية، منتج استكمل الغرب أركانه ولم يبقَ لنا غير أن "نشفه" منهم بالكربون. فقال أبكر آدم إسماعيل في كتابه الذائع "جدلية الهامش والمركز" إن العلمانية قطيعة فكرية مع الماضي تحققت للغرب "حيث لم يعُد هناك مفكر أوروبي منذ عصر النهضة يختلف مع هذه المسلمة".

و"مسلمة" هذه تكفينا في بيان ما أردناه من خطيئة "الشف" من خبرة الغرب. وزادت "الحركة الشعبية" في عقيدتها ضغثاً على إبالة بأن العلمانية هي الدولة الخاتمة بمطالبتها أن يتضمن الدستور نصاً سمّوه "فوق دستوري" يحظر بالمرة تعديل مادة العلمانية في الدولة فيه. وهكذا كُسرت الأقلام وطويت الصحف، علمانية إلى أبد الآبدين.

وعقيدة العلمانية الخاتمة هذه مما لا لم يطرأ حتى للأميركيين خلال 250 عاماً في دولة ليبرالية. فلم يوقف التعديل الأول للدستور (1789) الذي منع الكونغرس الأميركي من أن يصدر أي قانون بإقامة دين من الأديان، أو منع حرية ممارسته، المعروف بـ"بند المؤسسية"،

الجماعات الدينية من مطلب "أوبة الدولة إلى الدين" في عبارة روج لها إسلاميو السودان في أول عهدهم. وعرض جارد غولدستين لصراع هذه الجماعات لتديين الدولة خلال مقالة نشرها في "مجلة جامعة كاليفورنيا للقانون" عام 2017. وكانت لهذه الدعوات لتوبة الدولة للدين ذروات دعت إلى تعديل الدستور ليعكس هوية الدولة المسيحية. فقامت حملة لتعديل الدستور في القرن الـ19،

لترثها أخرى في الخمسينيات إبان عهد الرئيس دوايت ايزنهاور، ثم نشطت حركة "اليمين المسيحي" منذ السبعينيات الذي وإن لم يطلب تعديل الدستور كسابقيه، بل طالب بتفسيره هو نفسه كحجة على مسيحية الدولة. وجميعها اعتقدت بأن أميركا في صميمها بلد مسيحي وأن على دستورها أن يعكس هذا الجوهر فيها.

ومبعث هذه الحركات في مخافة الجماعة البروتستانتية الغالبة على هويتها من زحام البشر والعقائد الأخرى بما فيها الكاثوليكية واليهودية ناهيك عن البوذية والإسلام والهندوكية، علاوة على التهديد الذي بدا لهم من الشيوعية والمهاجرين والعلمانيين، فاحتشدوا لصون جوهر أميركا المسيحية التي "هي هم وهم هي".   استفز حجب قراءة الإنجيل والصلاة في مدارس الدولة وتعطيل قوانين الزندقة وعدم توقير يوم الأحد جماعة مسيحية في القرن الـ19،

فخرجت لتعديل الدستور لينص على مسيحية الدولة في حركة عُرفت بـ"الحركة المسيحية لتعديل الدستور". وقدم عضو الكونغرس جون كوينسي آدمز الذي سيصبح رئيس أميركا لاحقاً (1825-1829)، مشروعاً إلى الكونغرس يتضمن نصاً صريحاً بأن رب الأعالي هو رب تلك الأمة. ولم يمر تعديل الجماعة في الكونغرس،

ولكن حركة التعديل أكسبت الجماعة شرعية كان من ثمارها أن المحكمة العليا قضت عام 1892 بأن أميركا "أمة مسيحية"، فكسبت في المحكمة ما لم تكسبه بالكونغرس. ووقعت الحرب الأهلية (1861-1865) لتتفق الأطراف المتحاربة في أنها لعنة، كل بمنطقه.

فقال الشمال إنها اندلعت بسبب خطيئة الرق. وقال قسس الجنوب أن اندلاعها كان بسبب خطيئة استدبار دستور أميركا للرب. ومن ثم قامت عام 1863 منظمة الهيئة الوطنية لتأمين التعديل المسيحي للدستور (هيئة الإصلاح القومي لاحقاً) لتعبر عن الشخصية المسيحية للأمة. وعرضوا التعديل على أبراهام لنكولن الذي قال إنه يميز نبل حركتهم ولكن ليس هناك داعٍ لاستعجال تعديل الدستور.

وعرض التعديل على الكونغرس عام 1864 واستبعده الكونغرس قبل التصويت عليه. وواصلت الحركة نشاطها من منصة حركة اجتماعية وفكرية وعززت دعوتها بمنشأ أميركا في الحجيج الإنجليزي الذي هاجر بسفينة "المي فلور" إلى أميركا خشية على دينه ليخرج لهم آخرتها دستور "كافر بالرب". وكسبت الحركة للمرة الثانية من المحكمة العليا ما لم تكسبه من الكونغرس. فقررت المحكمة عام 1892 في قضية ما أن أميركا أمة مسيحية،

مما عكس قوة الدعوة إلى تعديل الدستور. فبموجب القرار صار على الدولة الاعتراف بمحبة المسيح وطاعته وأن من ليس مسيحياً، ليس مثل المسيحي في الحقوق. خملت حركة التعديل المسيحي في النصف الأول من القرن الـ20 لتعود من فوق منصة "اليهودية المسيحية" وبدعم من الرئيس دوايت أيزنهاور (1953-1961).

فأدخل ايزنهاور عبارتَي "تحت الرب" في قسم الولاء، "ونمحض الرب الثقة" الذي صار على العملة الأميركية بأمر من الكونغرس. ومع ذلك ظلت "المنظمة الوطنية المسيحية" الناشئة في الدعوة إلى تعديل الدستور ليتضمن الهوية المسيحية للدولة حتى انطوت صفحتها عام 1945. ونشأت محلها منظمة أخرى لاستنقاذ أميركا من العلمانية.

وعقد الكونغرس جلسات عام 1954 وعام 1964 استمع خلالها لأعضاء من تلك المنظمة عن قصور الدستور عن التعبير عن هوية الأمة وضرورة تعديله. واتفقت الدعوة لأيزنهاور الذي كان يرى في الحرب الباردة تمييز أميركا بالمسيحية عزلاً لروسيا الشيوعية.    ثم نشأت حركة أخرى لتعديل الدستور من فوق نجاحات الحركة الاجتماعية المسيحية. وكان ما حركها قرارات للمحكمة العليا لبعض الولايات التي ألغت الصلاة في المدارس ومنعت بدء اليوم بقراءة الإنجيل.

وسيكون موضوع الدين والمدارس قضية الجماعات المسيحية إلى يومنا. ووصف القس بيل غراهام حُكم المحكمة العليا بـ"خطوة أخرى نحو العلمانية في أميركا" من ورائه الشيوعية التي تريد تحطيم بلدهم. وعُرض على الكونغرس عام 1964 تعديل للدستور يؤيده الحزب الجمهوري، يؤمن بتدريس المسيحية في المدرسة لحفظ هوية أميركا.

ولم ينجح، وظلت الصلاة في المدرسة مع ذلك معلقة فوق الرؤوس. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ثم جاءت موجة "اليمين المسيحي" خلال السبعينيات الذي لم يطلب تعديلات دستورية كمن سبقه. ولكنه استثار حركة مجتمعية سياسية لم تكفر الدستور،

بل فهموه كدستور مسيحي في جوهره لحكم أمة مسيحية. فبدلاً من تعديله ليكون مسيحياً كجهد من سبق، أراد اليمين المسيحي أن يفسره ليحمي هوية أميركا المسيحية. وهكذا جعل الإجهاض ("قضية رو V ويد") والشذوذ الجنسي والحركة لمساواة الرجال والنساء في مرمى نيرانه لمفارقتها للدين.

وعينوا ما سموه "العلمانية الإنسانية" خصماً كنوداً لهوية أميركا المسيحية تحفر صفوته للمسيحية، وتروع المسيحيين برفع القضايا ضد ممارستهم لشرعهم، وفي الأكاديمية، والثقافة العامة.

وهكذا رأينا أن سيرة العلمانية في أميركا، بل استحقاقها، كان، ولا يزال،

في صراعها للبقاء في وجه من نازلوها من يومها الأول إلى يوم المسلمين هذا. فلم تجعل من نفسها سنّة العلم في الأرض وإن أرادت لأن دعاة أوبة الدولة للدين ضيقوا عليها أبداً وبيتوا على نزعها عن عرش الدستور ولا يزالون. فلم يقبل اليمين المسيحي بما اتُفق لهم من "فجور الإنسانية العلمانية" التي استأسدت منذ الخمسينيات وهدمت بتحللها بيعاً وبيوتاً وأسراً. وخرج لها في حركة سياسية اجتماعية شعواء نازعت حتى علم النفس في مسألة تأديب الأطفال.

فأنكروا منه حظر ضرب الوالدين لأطفالهم. وقالوا إن الطفل خارج لصراع إرادات مع الكبار وعلى الكبار الانتصار فيه. فالضرب ينفعهم. فكتب القسيس جيمس دوبسن (2025) "لتجرؤ تؤدب" ليوزع مليوني نسخة في 22 عاماً،

بل كان منهم مثل القس آرثر آلان (2013) الذي كان يوقع العقاب على الأطفال وسط جماعته الدينية، فيرفع الصبي عالياً ويضربه بحزام أو عصا. وقضى عامين في السجن جزاء وفاقاً. ومن فوق هذه الحركة الدينية الاجتماعية القاعدية صعد الرئيس ترمب إلى الحكم مرتين.

وأنشأ عام 2025 لجنة الحريات الدينية لتقف على التهديدات التي تتعرض لها الحرية الدينية لكل العقائد. فوظيفتها، في قول عضو منها، وقف إساءة استخدام التعديل الأول للدستور لمحو كل تعبير ديني من الفضاء العام.

وعادت اللجنة لمسألة الصلاة في المدراس، فأنذرت إداراتها بفقدان التمويل الفيدرالي إن كانت سياساتها تمنع الطلبة والمدرسين من الصلاة في بلد مسيحي.   يُقال "أعمى ومسكوه عكاز" عمن أمسك بأمر وفقد القدرة على التصرف فيه بصورة مطلقة. وبدا هذا من صفوتنا الحداثية متى استوحت أمراً من الغرب.

فصارت "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)" مثلاً لا وثيقة عن حقوق المرأة المختلف عليها، بل هي الكلمة النهائية عنها وما عداها باطل وقبض ريح. ورأت هذه الصفوة أمراً في ثقل العلمانية التي خرجت من تاريخ قرون أوروبية مضرجة بالفكر والدم منتجاً نهائياً تسليم "سيف بورتسودان". فيمتنع الصراع حولها لأنه سبق أن جرى في الغرب الذي خلص إلى أنها المنتج الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ورأينا من التجربة الأميركية أن العلمانية متى غلبت تداركها أهل دعوة أوبة الدولة للدين بصور شتى كما رأينا. وتصادف أن جاءت الذكرى 250 لإعلان استقلال أميركا في وقت محنة جمة للعلمانية، إذ تطوى صفحاتها طياً. ومن شأن ما نراه من محنتها هذه التنبيه إلى أنها عقيدة معتورة في عملية (process) وليست منتجاً خالصاً للتوزيع.

و"تقرع العصا لذي حلم".