أدت الحرب المستمرة في السودان إلى تفاقم حاد لأزمة أطفال الشوارع، إذ تضاعفت أعدادهم بشكل كارثي، وازداد تعرضهم للموت والجوع والتجنيد القسري وفقدان المأوى. تسببت ظروف النزوح في انقطاع آلاف الأطفال عن ذويهم،
وتشردهم في أوضاع قاسية، بينما دخلت البلاد مرحلة الانهيار الشامل لمؤسسات الدولة، بما في ذلك منظومة الحماية الاجتماعية التي كانت هشة أصلاً.تشير تقديرات ميدانية إلى انتشار أكثر من 20 ألف طفل في شوارع ولاية الخرطوم، مع وجود أعداد هائلة في بقية الولايات.
الحرب لم تخلق المشردين بل أعادت إنتاجهم بصورة أوسع، في وقت نزح فيه 7 ملايين طفل منذ بدء النزاع، وفقد آلاف أسرهم نتيجة القصف والنزوح القسري.أزمة مركبةيقول ناشطون إنسانيون إن ظاهرة أطفال الشوارع في السودان ليست جديدة، لكن الصراع الحالي جددها وجعلها تعكس أزمة مركبة تتقاطع فيها الحرب مع الفقر والانهيار المؤسسي،
لتدفع بآلاف الأطفال إلى قلب واحدة من أعنف الحروب. يعيش هؤلاء الأطفال ظروفاً إنسانية قاسية، تنقصهم الحماية القانونية والمظلة الاجتماعية والاعتراف الرسمي بوجودهم بعد انهيار المؤسسات التي كانت توفر السكن والطعام والتعليم.بعد أن وجد هؤلاء الأطفال أنفسهم خارج أطر الحماية، باتت الحرب قوة جذب لهم وسط محفزات تتمثل في الراتب الشهري وامتلاك السلاح.
هناك تقارير عن تجنيد أطفال دون 18 سنة في مجموعات قتالية مثل 'أسود الجبال'. الفقر لعب دوراً حاسماً، إذ يعمل بعض الأطفال في الشارع لإعالة أسرهم، لكن الاستغلال دفعهم إلى الانخراط في التجنيد الذي يوفر لهم شعوراً بالانتماء،
وإن كان زائفاً.توجد مبادرات محلية تقدم دعماً محدوداً، لكنها تخفف التبعات فقط وتمنح الأطفال شعوراً بأنهم جزء من المجتمع. هناك قصور دولي في دعم هذه الشريحة وعدم إلزام أطراف النزاع بحماية الطفولة.انهيار التعليمقبل الحرب، كان التعليم الحكومي يعاني ضعف التمويل وتردي البنية التحتية.
دفع النزاع النظام التعليمي إلى حافة الانهيار الكامل، مع تقديرات تشير إلى أن نحو 14 ألف طفل خارج المدارس. يرى مراقبون تربويون أن التعليم تاريخياً لم يكن ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة، إذ لم تتجاوز موازنته 2% من الإنفاق العام مقابل إنفاق ضخم على المؤسسات العسكرية.غياب التعليم في ظل الحرب لا يعني فقدان المعرفة فحسب،
بل فقدان الحماية للأطفال. المدرسة كانت تمثل الحاجز الأخير بين الطفل والشارع. تنامي ظاهرة أطفال الشوارع له تداعيات طويلة الأمد، وسيواجه المجتمع السوداني جيلاً نشأ في بيئة عنف بلا تعليم أو حماية،
يغلب على طبعه الجهل وسلوكيات غير محمودة.أطفال الشوارع ليسوا مجرد ضحايا، بل أصبحوا جزءاً من معادلة الحرب في بلد تتآكل فيه دولة ويتراجع التماسك المجتمعي. إعادة دمجهم تتطلب برامج طويلة ومعقدة من دعم نفسي واجتماعي وتعليم وتدريب مهني، لكن استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية يجعل هذه الخطوات شبه مستحيلة.رفض اجتماعيبحسب تقارير ميدانية،
تتفاقم معاناة أطفال الشوارع بسبب صعوبة الحصول على الخدمات الأساسية، واختفاء غالبيتهم في ظروف غامضة. يُدفع هؤلاء الأطفال إلى ساحات القتال عبر تجنيدهم معتقدين أنها ملاذ لهم في ظل التهديدات الأمنية. يعيش نحو 36% منهم بلا مأوى،
ويتعرضون للإساءة وتعاطي المخدرات نتيجة غياب الرعاية.ينظر المجتمع غالباً إلى أطفال الشوارع على أنهم شريحة مرفوضة، ويوصمون باتهامات بالسلوك المعادي للمجتمع، مما يدفع كثيرين إلى التعامل معهم بريبة وخوف. تقوم مجموعات مسلحة مختلفة بتجنيدهم من دون التزام بقوانين حماية الطفل.
الحرب المشتعلة تزيد من تصاعد معدلات المشردين، خاصة الأطفال النازحين من دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مما يستدعي تدخلات دولية عاجلة.سوق مفتوحةتشير تحليلات قانونية إلى أن أطراف الصراع غير ملتزمة باتفاقات حماية الطفل، ويجري استغلال الأطفال على نطاق واسع لأنهم أقل كلفة اقتصادياً،
مما يجعل الحرب سوقاً مفتوحة والأطفال أحد مواردها. الحرب هي أحد الأسباب الأساسية لارتفاع نسبة التشرد، إذ فقد الأطفال ذويهم أثناء النزوح من دون آليات حماية أو تتبع، مما يجعل الشارع ملاذهم الوحيد وبوابة لكل صور العنف.يستخدم أطفال الشوارع في مهمات تفوق بنيتهم،
منها القتال المباشر وحمل السلاح ونقل المعدات وتقديم خدمات لوجستية. هناك أطفال يحاكمون حالياً بسبب مشاركتهم في القتال رغم أن غالبيتهم جندوا تحت التهديد. بالتزامن مع الحرب، تشهد المدن انتشاراً واسعاً للمخدرات في غياب الرقابة،
وتصبح هذه الآفة وسيلة هروب للأطفال من واقع قاس، لكنها تقودهم إلى دائرة استغلال جديدة، بما في ذلك شبكات الترويج والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع والخطف والإخفاء القسري.يتطلب الأمر الإسراع في تطبيع الحماية الاجتماعية على الصعيدين المحلي والدولي لإنقاذ هؤلاء الأطفال الذين يعتبرون أكثر الفئات تضرراً من هذا الصراع المستمر.