لم يعد السؤال عن إمكانية تخلي العالم عن السودان مجرد فرضية نظرية، بل واقع يتشكل يومياً. تحولت الأزمة السودانية إلى ساحات مواجهات صفرية، وتضليل سياسي،
وتحالفات انتهازية، مما يجعل النسيان الدولي وارداً بنسب كبيرة. في عالم منشغل بأزمات الطاقة والحروب الكبرى في شرق أوروبا والشرق الأوسط، يتحول السودان تدريجياً من أزمة تتطلب الحل إلى عبء يفضل الجميع إدارته دون تحمله.لا يمكن إلقاء اللوم كاملاً على المجتمع الدولي،
فالمعادلة السودانية نتاج قصور دولي وإقليمي، وعجز هيكلي محلي تقوده نخب سياسية وعسكرية أدمنت السير في طرقات الانسداد التاريخي. لتقييم مدى إمكانية التخلي عن السودان، يجب فحص المصالح والقوى التي تحرك الساحة السياسية،
وطبيعة المقاربات المتباينة للمحاور الأميركية والأوروبية والأفريقية.المقاربة الأميركية: بين إدارة الأزمات وأولويات الأمن القوميتعاني السياسة الأميركية تجاه السودان من انفصام واضح. فمن ناحية، هناك ضغوط إنسانية وحقوقية داخل الكونغرس تطالب بوقف الجرائم وضمان تدفق المساعدات. ومن ناحية أخرى،
تخضع الرؤية الاستراتيجية لواشنطن لمنطق الأولويات الدولية، في ظل الانشغال بمواجهة التمدد الصيني في أفريقيا ومراقبة التحركات الروسية. ينظر إلى السودان كساحة استقطاب دولي خطرة. ورغم هذا التناقض،
لا تملك واشنطن ترف التخلي الكامل عنه نظراً لموقعه الجيوسياسي، لكنها تمارس انكفاء دبلوماسياً حذراً، مكتفية بأدوات العقوبات ومسارات تفاوضية متقطعة، دون رغبة حقيقية في فرض حل سياسي شامل.المقاربة الأوروبية: هواجس أمنية وقلق إنسانيتتحكم في المقاربة الأوروبية هواجس أمنية مباشرة ترتبط بالأمن القومي الأوروبي.
السودان يمثل تاريخياً وجغرافياً دولة عبور ومصدراً رئيسياً لموجات الهجرة غير الشرعية نحو السواحل الأوروبية. التقديرات تحذر من أن استمرار الحرب، وتجاوز أعداد النازحين واللاجئين حاجز 14 مليون شخص، سيؤدي إلى انفجار بشري غير مسبوق.
كما يخشى الأوروبيون من تحول السودان إلى منطقة جذب للجماعات المتطرفة. ومع ذلك، يظل الدعم الأوروبي محصوراً في الجوانب الإغاثية والمؤتمرات الإنسانية، دون بلورة مبادرة سياسية موحدة قادرة على فرض وقف إطلاق النار،
مما يجعل الموقف يبدو وكأنه تخلف عملي مغلف بقلق إنساني.المقاربة الأفريقية: عجز هيكلي وشعارات دون تنفيذيمثل السودان اختباراً حقيقياً لشعار الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية. المنظومة الأفريقية تعاني عجزاً مالياً وسياسياً يمنعها من التدخل الفاعل. قرارات مجلس السلم والأمن الأفريقي تظل حبراً على ورق لافتقارها إلى آليات التنفيذ والضغط على الأرض. هذا العجز،
المصحوب بانقسامات داخلية بين قادة دول الجوار، جعل القارة الأفريقية تظهر بمظهر العاجز عن إنقاذ أحد أهم أركانها، وهو ما يُترجم عملياً تخلياً قسرياً تفرضه قلة الحيلة والإمكانات.انتحار التوافق في أديس أباباجذر الأزمة الحقيقي يقبع في الداخل السوداني. فرضية تخلي العالم عن السودان لا تكتمل دون الإقرار بأن النخب السياسية والعسكرية السودانية هي من بادرت بتقديم صك التخلي عن بلادها عبر عجزها عن إنتاج الحد الأدنى من التوافق الوطني.
يتجلى هذا العجز في انهيار مؤتمر الآلية الخماسية والجهود الأفريقية الموازية في أديس أبابا. فشل هذا المسار لم يكن مجرد تعثر دبلوماسي، بل فضيحة سياسية بكل معنى الكلمة. أظهرت القوى السودانية تمسكاً طفولياً بالشروط الإقصائية،
وتنافساً محموماً على شرعيات متوهمة فوق أشلاء بلد ممزق. هذا المشهد بعث برسالة بالغة السوء للمجتمع الدولي مفادها أن السودانيين غير مستعدين لإنقاذ بلادهم، مما يمنح القوى الدولية المترددة الذريعة المثالية للانسحاب.الدرس الصومالي المنسيعند البحث في التاريخ عن إجابة لسؤال تخلي العالم عن دولة منهارة، نجد النموذج الصومالي الأكثر وضوحاً.
في بداية التسعينيات، وبعد تداخل الحروب الأهلية مع غياب التوافق بين أمراء الحرب الصوماليين، وفشل مبادرات الأمم المتحدة والولايات المتحدة، اتخذ العالم قراراً بصرف النظر عن الصومال قرابة عقدين من الزمان،
تاركاً البلاد مرتعاً للفوضى والمجاعات والقرصنة والجماعات الراديكالية. هذا الدرس التاريخي يبدو اليوم أقرب إلى الواقع السوداني من أي وقت مضى. المجتمع الدولي قد يكتفي بدور المتفرج الذكي، بتسيير قوافل إغاثية شحيحة وفرض حظر أمني بحري لحماية البحر الأحمر،
مع ترك الداخل السوداني يغرق في حرب استنزاف طويلة بين إقطاعيات عسكرية وجهوية وعشائرية، تحت مظلة واقع يتجه نحو التقسيم الواقعي.العالم لا يتخلى عن السودان جهلاً بما يحدث، بل هو تخل مدفوع بيأس من نخب عاجزة، وحسابات كلفة سياسية وعسكرية معقدة.
التاريخ يعلمنا أن إدارة الظهر، كما حدثت في الصومال، وإن كانت مريحة على المدى القصير، إلا أنها تحول الدول المنهارة إلى قنابل موقوتة.
الجرح السوداني النازف لن يظل محصوراً داخل حدوده، والانهيار الكلي لن يكون مجرد سقوط لدولة، بل زلزالاً جيوسياسياً ستصل ارتداداته إلى عمق العواصم التي تظن اليوم أنها تملك ترف التخلي والنسيان.