رفضت الهند التوصل إلى اتفاق تجاري سريع مع الولايات المتحدة خلال المحادثات الأخيرة، متمسكة بالحصول على اتفاق أفضل يضمن مصالحها. ويأتي هذا الموقف في وقت يستمد فيه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ثقته من شركاء تجاريين جدد وتراجع المخاطر الاقتصادية والمكاسب السياسية على الساحة الداخلية.وبعد أشهر من المفاوضات، أخفق البلدان في وضع اللمسات النهائية على اتفاق تجاري مؤقت خلال زيارة الممثل التجاري الأميركي إلى نيودلهي الشهر الماضي،

رغم التوقعات بأن التوصل إلى اتفاق محدود كان في متناول اليد. ويعود عدم التوصل إلى توافق إلى أن واشنطن لم تقدم ضمانات بشأن المطالب الرئيسية للهند، وفي مقدمتها منحها ميزة جمركية مقارنة بمنافسين مثل الصين، وعدم فرض رسوم أميركية جديدة بعد إبرام الاتفاق.وكانت واشنطن تأمل الحصول سريعاً على تنازلات تجارية من شريك استراتيجي،

في وقت يستعد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض رسوم جمركية جديدة يُرجح أن تدخل حيز التنفيذ في وقت لاحق من هذا الشهر. وفي المقابل، فإن تمسك الهند بموقفها يعرض صادراتها لرسوم أعلى، ويطيل أمد حالة عدم اليقين بالنسبة إلى الشركات.وبعد يوم من المحادثات مع الممثل التجاري الأميركي،

أكد وزير التجارة الهندي أن الاتفاق مع الولايات المتحدة لن يُنفذ ما لم يضمن للهند ميزة واضحة، في إشارة إلى تشدد موقف نيودلهي وعدم استعجالها التوصل إلى اتفاق، رغم خطر فرض رسوم جمركية أعلى.وكما هي الحال بالنسبة إلى معظم الدول، فإن غالبية السلع الهندية تخضع حالياً لرسوم جمركية أميركية تبلغ 10 في المائة.

إلا أن الإدارة الأميركية من المتوقع أن تفرض رسوماً أعلى في وقت لاحق من هذا الشهر، من خلال تحقيقات تتعلق بفائض الطاقة الإنتاجية الصناعية. وكانت الهند قد نفت الاتهامات الأميركية بشأن امتلاكها فائضاً في الطاقة الإنتاجية. واقترحت واشنطن بالفعل فرض رسوم جمركية جديدة تصل إلى 12.5 في المائة على عشرات الدول،

من بينها الهند، بدعوى إخفاقها في الحد من تجارة السلع المصنوعة باستخدام العمل القسري.وترى واشنطن أن الهند ينبغي أن تستحق المعاملة التفضيلية التي تطالب بها من خلال تقديم تنازلات من جانبها. وتظل واشنطن منخرطة في المحادثات وتتوقع التوصل إلى اتفاق، لكن دون تحديد إطار زمني.

وتشير التصريحات إلى أن الهند كانت في بعض الأحيان بطيئة وبيروقراطية وصعبة في المفاوضات، مما يجعل التوصل إلى اتفاق سريع أمراً غير مرجح.عززت الصادرات ومكاسب سياسية الموقف التفاوضي للهندقال محللون في شؤون التجارة إن ارتفاع الصادرات، وإبرام اتفاقات تجارية جديدة مع دول وتكتلات أخرى، إلى جانب تراجع المخاطر الاقتصادية،

عززت موقف الهند التفاوضي. وخلال الفترة من أبريل إلى يونيو الماضيين، ارتفعت صادرات الهند الإجمالية من السلع بنحو 15 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم الاضطرابات الناجمة عن الحرب التجارية،

بدعم من ارتفاع قيمة شحنات المنتجات النفطية. كما تعافت الصادرات إلى دول الخليج لمستويات ما قبل الحرب.وتعمل الهند أيضاً على توسيع نفاذها إلى أسواق متقدمة أخرى؛ إذ من المقرر أن يدخل اتفاق التجارة الحرة مع المملكة المتحدة حيز التنفيذ خلال هذا الشهر، بينما يُتوقع التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي بحلول مطلع العام المقبل.ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن المفاوضين الهنود اكتسبوا نفوذاً في المحادثات بفضل قوة الاقتصاد الهندي ومبادرات تنويع الشراكات مع شركاء آخرين ومكانة الهند الاستراتيجية. كما أن اتفاق السلام المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران حسّن الآفاق الاقتصادية للهند من خلال خفض أسعار النفط،

مما رفع توقعات النمو الاقتصادي وخفض تقديرات التضخم وعجز الحساب الجاري، ما يمنح نيودلهي هامشاً اقتصادياً أكبر للتمسك بشروط أفضل. كما أسهم ضعف الروبية في تعزيز القدرة التنافسية للمصدرين.توقعات بعراقيل قانونية وسياسية للرسوم الأميركيةتراهن الهند على أن بعض الإجراءات التجارية الأميركية قد تواجه عراقيل قانونية أو سياسية. فقد تقدم ائتلاف من 22 مدعياً عاماً من ولايات ديمقراطية باعتراضات على الرسوم الجمركية التي اقترحتها الإدارة الأميركية في إطار التحقيقات المتعلقة بالعمل القسري.

كما أن حالة عدم اليقين القانونية بشأن الرسوم الجمركية الأميركية، إلى جانب الانتصارات الأخيرة لرئيس الوزراء الهندي في انتخابات الولايات، ساعدت الهند على مقاومة الضغوط الرامية إلى إبرام اتفاق سريع.ويؤكد كبار قادة حزب بهاراتيا جاناتا أن الاتفاقات التجارية ينبغي أن تحمي المزارعين الهنود والشركات الصغيرة، وهما من الفئات ذات الثقل السياسي.

ويشير مفاوضون تجاريون سابقون إلى أن الهند تدرك أن تأجيل الاتفاق المتسرع، أو حتى التخلي عنه، قد يكون الخيار الأكثر حكمة بدلاً من الارتباط بالتزامات قد تفوق تكاليفها بكثير أي إعفاءات جمركية مؤقتة.