أدى ظهور "وكلاء" الذكاء الاصطناعي إلى زيادة حادة في التكاليف على العديد من الشركات، مما دفعها لإعادة النظر في اعتماد هذه التكنولوجيا والتوجه نحو نماذج أقل تكلفة. ويعلن هذا التحول نهاية عهد "الذكاء المدعوم"، وهو مصطلح أطلقه كيفن سيمباك من حاضنة الشركات الناشئة ديلفي لابس عند انتشار موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي.في البداية،

قدمت الشركات الكبرى مثل أوبن إيه آي أسعارًا جاذبة لتشجيع الاعتماد، مما أدى إلى تسجيل خسائر مالية. لكن مؤخرًا، راجعت هذه الشركات أسعارها ورفعتها بما يتناسب مع الاستخدام الفعلي للقدرات المعلوماتية اللازمة لتشغيل النماذج.

وقد سجلت زيادة هائلة في الاستعانة بالبنى التحتية مع ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي برامج قادرة على إنجاز مهام فعلية بدلاً من مجرد الرد على أسئلة.لإنجاز مهمة واحدة، يمكن أن تتفرع الواجهة البرمجية إلى عدة وكلاء، لكل منهم خطة عمله الخاصة،

ثم يقوم وكلاء آخرون بجمع النتائج والتثبت منها. ونتيجة لذلك، قد يكون عدد "الرموز"، وهي الوحدة المرجعية لقياس المخرجات،

أعلى بعشرات المرات مما يتطلبه الحصول على إجابة بسيطة عبر برنامج مثل تشات جي بي تي. ويأتي ذلك في وقت يشهد اختلالاً في التوازن بسبب عجز مراكز البيانات ومصنعي الرقاقات عن مواكبة الطلب المتسارع، مما يرفع تكلفة الوصول إلى البنى التحتية.وأوضح مارك بارتون من شركة أومنيوكس للمرافقة الرقمية أن المطورين يشهدون ارتفاعاً متسارعاً في تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض البرمجة، وأن الأسعار بدأت في الازدياد بشكل حاد لجميع النماذج المرجعية في السوق.

وإزاء ذلك، بدأت شركات كبرى مثل متاجر تارغت ومقاهي ستاربكس وشركة أوبر في إعادة النظر في النشر العشوائي للذكاء الاصطناعي. وقال جاك غولد، رئيس شركة جي غولد أسوشيتس للاستشارات،

إن التكلفة في بعض الحالات تتجاوز راتب الموظف بعد شهر أو شهرين بسبب الاستخدام المفرط.حتى شركة ميتا، المالكة لتطبيقات إنستغرام وفيسبوك، والتي كانت رائدة في ظاهرة "التوكن ماكسينغ" (الاستخدام الأقصى للرموز كمقياس للإنتاجية)، قامت مؤخراً بكبح هذه النزعة.

ووجه أندرو بوسوورث، مسؤول التكنولوجيا في الشركة، مذكرة داخلية بأنه لا يجدر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بلا سبب.مع سيطرة العقلانية الآن، تركز معظم الشركات جهودها على الحصول على ذكاء اصطناعي أقل تكلفة عبر استخدام نماذج أقل فاعلية من البرمجيات الأكثر تطوراً.

وتلقى النماذج "مفتوحة المصدر" التي يمكن تحميلها مجاناً شعبية متزايدة، وهي ليست بقوة تشات جي بي تي أو جيميناي لكنها قادرة على إنجاز العديد من المهام. كما تنتقل بعض الشركات إلى نماذج أصغر حجماً وأكثر تخصصاً، تم تطويرها لقطاعات محددة كالعقاري أو المالي،

بدلاً من النماذج العملاقة متعددة الاستخدامات. ويمكن لهذه "نماذج اللغات الصغيرة" العمل أحياناً على الخوادم المحلية أو مباشرة على جهاز الكمبيوتر، مما يقلل التكلفة بتجنب رسوم الحوسبة السحابية.وأوضح أدريان بلفور من شركة إنفرسو للاستشارات الرقمية أنه يمكن تقسيم المهام الموكلة إلى الذكاء الاصطناعي إلى خطوات صغيرة، وتفويض كل منها إلى النموذج الأقل تكلفة والقادر على إتمامها،

مما يحدث فرقاً هائلاً في التكلفة. وأشار إلى أن النموذج الضخم والمتكامل يكلف 15 دولاراً لكل مليون رمز، بينما يمكن خفض ذلك إلى نحو خمسة سنتات عند استخدام النموذج الصغير.ويرى كثيرون أن هذه التغييرات هي الخطوة الأولى نحو تحول النماذج إلى سلع شائعة يمكن استبدالها مع الحفاظ على النتيجة. وبناءً على ذلك،

رأى جون بيلتون من شركة غابيلي فاندز للاستثمارات أن المنصات المتخصصة في اختيار وتنسيق النماذج والوكلاء هي التي تبرز وتكتسب أهمية اليوم. وفي هذا المجال، تخوض شركات ناشئة معركة لترسيخ وجودها بمواجهة عمالقة الحوسبة مثل أمازون التي تتيح باقة متنوعة من أدوات الذكاء الاصطناعي عبر منصتها بيدروك، بالإضافة إلى المنافسة من مطوري الذكاء الاصطناعي أنفسهم مثل شركة أنثروبيك التي تقدم سلسلة كاملة من النماذج تشمل نموذج هايكو الأقل تكلفة،

على غرار أوبن إيه آي وغوغل.ورغم كل التطورات، لا يتوقع جون بيلتون أن تفقد هذه الشركات الكبرى حصتها السوقية لمجرد أن العملاء يبحثون عن كفاءة الإنفاق بدلاً من قوة الأداء، مؤكداً أن المستخدمين الأكثر تقدماً سيكونون على استعداد للدفع مقابل أفضل ما توصلت إليه التكنولوجيا.