قد تكون الطائرات المسيّرة مفيدةً في اللحظات الأولى بعد الزلازل أو الكوارث، خصوصاً عندما تحتاج فرق الإنقاذ إلى خريطة سريعة لمبنى منهار أو منطقة يصعب دخولها. لكن تشغيل روبوت طائر داخل بيئة غير معروفة ليس مهمة بسيطة؛ إذ عليه أن يصل إلى هدفه بسرعة، ويتجنَّب العوائق المفاجئة،

ويحافظ على مسار سلس لا يستهلك طاقةً أو يعرِّضه للاصطدام.طور باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة بنسلفانيا نظاماً جديداً لتخطيط مسار الروبوتات يحمل اسم «مايتي». الفكرة الأساسية هي تمكين الطائرة المسيّرة من تعديل مسارها خلال أجزاء قليلة من الثانية عند ظهور عوائق، من دون أن تفقد اتجاهها نحو الهدف أو تضطر إلى حركات حادة وغير مستقرة. النظام مُصمَّم ليعمل في الزمن الفعلي باستخدام الحاسوب والحساسات الموجودة على الروبوت نفسه،

مما يجعله مثالياً للعمل في بيئة بعيدة عن محطة تحكم أو شبكة اتصال مستقرة، كما في عمليات البحث والإنقاذ أو التفتيش الصناعي داخل منشآت معقدة.تحديات تخطيط المسارتخطيط المسار هو البرنامج الذي يقرِّر كيف ينتقل الروبوت من نقطة إلى أخرى بأمان. تبدو المهمة بسيطةً على الورق، لكنها تصبح شديدة التعقيد عندما تتحرَّك الطائرة داخل مكان مليء بالعوائق أو عندما تظهر عقبات لم تكن موجودة في الخريطة الأولية.

كثير من الأنظمة الحالية تواجه مفاضلةً واضحة: بعض الحلول التجارية تستطيع توليد مسارات سلسة وسريعة لكنها مكلفة وقد تعتمد على برمجيات مغلقة، بينما البدائل مفتوحة المصدر قد تكون أقل أداءً أو أصعب في الاستخدام. لذلك حاول الباحثون بناء نظام مفتوح المصدر يقدِّم جودةً قريبةً من الأنظمة المتقدمة مع قدرة على العمل مباشرة على الروبوت.يقول أحد الباحثين الرئيسيين إن النظام يحقِّق أداءً مماثلاً أو أفضل باستخدام أدوات مفتوحة المصدر فقط، مما يتيح للباحثين والطلاب والشركات استخدامه بحرية،

ويرى أنَّ إزالة حاجز التكلفة يمكن أن توسِّع دائرة الجهات القادرة على تطوير أنظمة تخطيط حركة عالية الأداء.طريقة رياضية مبتكرةيعالج «مايتي» مشكلة التخطيط باستخدام تقنية رياضية تُسمى «Hermite spline»، حيث يعمل النظام على تحسين المسار والزمن معاً في خطوة واحدة بدلاً من حساب المسار أولاً ثم محاولة ملاءمته مع زمن ثابت. الهدف هو الوصول إلى مسار سلس وقابل للتحكم، مع تقليل زمن الرحلة من دون التضحية بالأمان.

لحل التحدي الحسابي، لا يبدأ النظام من الصفر في كل مرة، بل ينشئ تخميناً أولياً لمسار مناسب ثم يحسنه تدريجياً عبر عملية تكرارية، مستفيداً من خريطة للمشهد تبنيها حساسات الليدار على الطائرة،

مما يسمح له بالاستجابة للعوائق الجديدة بسرعة مع الحفاظ على مسار أكثر سلاسة.نتائج متفوقة في الاختباراتفي الاختبارات المحاكاة، احتاج «مايتي» إلى نحو 90 في المائة فقط من وقت الحوسبة الذي تتطلبه طرق متقدِّمة أخرى، بينما وصل إلى الهدف بأمان وبسرعة أعلى بنحو 15 في المائة. وفي الاختبارات على روبوتات حقيقية،

وصلت الطائرة إلى سرعة 6.7 متر في الثانية مع تجنب جميع العوائق التي ظهرت في مسارها. هذه الأرقام تظهر أنَّ النظام لا يكتفي بتحسين نظري في المختبر، بل يجمع بين السرعة والسلامة وقابلية التنفيذ على أجهزة الروبوت نفسه.تطبيقات واسعة النطاقرغم أنَّ المثال الأبرز يتعلق بالطائرات المسيّرة في عمليات البحث والإنقاذ، فإنَّ الاستخدامات المحتملة أوسع؛ يمكن للنظام أن يساعد على توصيل الطرود داخل المدن حيث تحتاج الطائرات إلى تفادي المباني والأسلاك والأشخاص،

كما يمكن استخدامه في تفتيش المنشآت الصناعية المعقدة مثل توربينات الرياح. في هذه الحالات، لا يكفي أن يعرف الروبوت وجهته، بل عليه أن يتعامل مع بيئة قد تتغيَّر باستمرار وأن يعدِّل مساره بسرعة من دون الاعتماد على حاسوب خارجي أو برنامج مكلف،

مما يجعل ميزة المصدر المفتوح أساسية لتبني النظام في مختبرات وشركات ومؤسسات لا تملك ميزانيات كبيرة للبرمجيات التجارية.دافع إنساني وراء الابتكاريرتبط العمل بدافع شخصي لدى أحد الباحثين الذي كان طفلاً عندما وقع حادث محطة فوكوشيما دايتشي النووية بعد زلزال شرق اليابان الكبير. تابع حينها أخبار العمال الذين اضطروا إلى دخول مناطق خطرة، مما جعله مهتماً بتطوير روبوتات مستقلة تستطيع دخول البيئات الديناميكية والخطرة ثم العودة بالمعلومات بينما يبقى البشر بعيداً عن الخطر. هذا يوضِّح سبب التركيز على الروبوتات القادرة على العمل في ظروف غير مثالية،

حيث لا تسمح التطبيقات الأكثر حساسية بالاعتماد على إعدادات مخبرية منظمة أو اتصالات مستقرة أو تدخل بشري مستمر.آفاق مستقبليةلا يزال النظام في مرحلة بحثية رغم النتائج الواعدة، ويخطِّط الباحثون لتحسين «مايتي» بحيث يمكن استخدامه للتحكم في روبوتات عدة في الوقت نفسه مع إجراء مزيد من تجارب الطيران في بيئات أصعب. كما يأمل الفريق في تطوير النظام المفتوح المصدر بناءً على ملاحظات المستخدمين. ويشير أحد الخبراء في مجال الروبوتات والإدراك إلى أنَّ النظام يقدِّم مساهمةً مهمةً في الملاحة الرشيقة للروبوتات،

لأنَّه يعيد النظر في طريقة تمثيل المسار نفسه من خلال تحسين شكل المسار والتوقيت والسرعة والتسارع معاً، مما يمنح الروبوتات حريةً أكبر في حساب حركات سريعة وقابلة للتنفيذ داخل البيئات المزدحمة. التقنية الجديدة تساعد الطائرات المسيّرة على تعديل مسارها بسرعة عند ظهور عوائق مفاجئة (الجامعة) الاختبارات أظهرت قدرة الطائرات المسيّرة على تفادي العوائق بسرعة عالية باستخدام برمجيات مفتوحة المصدر (شاترستوك)