يواجه البنك المركزي الهندي أحد أصعب قرارات أسعار الفائدة في السنوات الأخيرة، وسط مزيج ضاغط من صدمة الطاقة في الشرق الأوسط، وتراجع العملة المحلية، وضعف موسم الأمطار.
تهدد هذه العوامل بتقليص النمو وتسريع التضخم، مع تصاعد الضغوط في أسواق الدين وارتفاع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.هبطت الروبية إلى مستويات قياسية منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، إذ أدى الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام إلى توجيه ضربة قوية لثالث أكبر اقتصاد في آسيا، الذي يعتمد على واردات تغطي نحو 90% من احتياجاته النفطية.
قد يسهم رفع سعر إعادة الشراء (الريبو) من مستواه الحالي البالغ 5.25% في دعم العملة، لكنه قد يثير مخاوف أسواق السندات التي ترى مجالاً لبقاء السياسة النقدية دون تغيير ما دام التضخم ضمن النطاق المستهدف.انقسام التوقعات بشأن الفائدةيرى خبراء اقتصاد أن البنك الاحتياطي الهندي يواجه معضلة صعبة خلال اجتماعه المقرر في الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2026، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية وتعقد خيارات السياسة النقدية، حيث يتمثل الخيار في الاختيار بين الاستجابة لضغوط السوق أو المعطيات الاقتصادية.
الإبقاء على سعر الفائدة مع تبني لهجة متشددة قد يكون الخيار الأمثل، مع إظهار استعداد لمراقبة استقرار سعر الصرف دون إشارات قلق مفرطة.تشير استطلاعات إلى أن نحو 80% من الاقتصاديين يتوقعون أن يُبقي البنك المركزي سعر إعادة الشراء دون تغيير عند 5.25% في ختام اجتماعه. في المقابل، توقع 11 خبيراً رفعاً بواقع 25 نقطة أساس،
فيما توقع خبير واحد زيادة أكبر تبلغ 50 نقطة أساس. كان البنك قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير منذ ديسمبر، بعد خفضه بمقدار 125 نقطة أساس العام الماضي.الأسواق تسعر تشديداً نقدياً ممتداًتظهر تسعيرات مقايضات أسعار الفائدة أن الأسواق ترجح تشديداً بنحو 100 نقطة أساس خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، مع ارتفاع مقايضات الليلة الواحدة بنحو 65 نقطة أساس منذ مارس،
في إعادة تسعير أكثر حدة مقارنة بسوق السندات، حيث ارتفعت عوائد السندات لأجل عشر سنوات بنحو 37 نقطة أساس خلال الفترة نفسها.رغم أن التضخم المعتدل حالياً يمنح البنك مساحة من المرونة، يرى بعض المحللين أن دعم الروبية قد يتطلب تدخلاً نقدياً في وقت أقرب، في ظل اتساع نطاق الضغوط على الأسواق المالية.
عززت تحركات البنوك المركزية في دول مستوردة للنفط توقعات بأن الهند قد تضطر لاحقاً إلى مسار مشابه، رغم أن تقارير سابقة أشارت إلى أن البنك الاحتياطي الهندي لا يفضل استخدام السياسة النقدية لدعم العملة.يرى خبراء أن رفع الفائدة بشكل استباقي قد يكون الخيار الأكثر منطقية في الوقت الراهن، مشيرين إلى أن في ظل ضغوط سوق الصرف الأجنبي، فإن التحرك عبر سعر الفائدة يبدو إجراء وقائياً طبيعياً.
تراجعت الروبية بنحو 5.4% هذا العام، مما يجعلها من بين أسوأ العملات أداءً في آسيا.يتوقع محللون أن يعمد البنك المركزي إلى مراجعة توقعاته للتضخم والنمو التي حددها في أبريل عند 4.6% و6.9% للسنة المالية المنتهية في مارس 2027، في ظل ارتفاع أسعار النفط وتراجع موسم الأمطار، مع مخاوف من تسجيل أدنى مستويات هطول الأمطار منذ 11 عاماً،
مما قد يضغط على أسعار الغذاء ويزيد تعقيد مشهد السياسة النقدية.قد يتسارع التضخم إلى نحو 4.9%، فيما قد يتباطأ النمو إلى 6.6%، ويرى خبراء أن ارتفاع حالة عدم اليقين وتعدد مسارات التضخم المحتملة قد يحدان من قدرة البنك على رفع الفائدة بشكل استباقي، رغم أن تجاوز التضخم 5% في النصف الثاني من السنة المالية قد يبرر تبني لهجة أكثر تشدداً.تباطؤ مبيعات سندات الشركات الهنديةأفاد مستثمرون ومصرفيون أن الشركات الهندية ومؤسسات الإقراض غير المصرفية شرعت في إبطاء وتيرة جمع التمويل عبر إصدار السندات،
بعد ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها في سبع سنوات، في انعكاس مباشر لتشديد أوضاع السيولة وتزايد توقعات السياسة النقدية المتشددة.أظهرت بيانات أن عوائد سندات الشركات المصنفة «إيه إيه إيه» وفقاً لمؤشر مجموعة بورصة لندن، التي تتراوح آجال استحقاقها بين سنتين وخمس سنوات، ارتفعت إلى ما فوق 8% الأسبوع الماضي،
وهو أعلى مستوى لها منذ يناير-مارس 2019. خلال مايو، ارتفع عائد سندات الشركات المصنفة «إيه إيه إيه» لأجل عامين بنحو 40 نقطة أساس، في حين صعدت العوائد في شريحة من ثلاث إلى خمس سنوات بنحو 30 نقطة أساس،
في ظل تسارع تكلفة التمويل وارتفاع الحساسية تجاه مسار الفائدة.يعزو محللون هذا الارتفاع إلى توقعات رفع أسعار الفائدة وتشديد أوضاع السيولة من قبل بنك الاحتياطي الهندي. أظهرت البيانات أن الشركات الهندية جمعت نحو 1.07 تريليون روبية (11.24 مليار دولار) خلال شهري أبريل ومايو، وهو أدنى مستوى للفترة نفسها منذ عام 2022، مما يعكس بداية تباطؤ واضح في نشاط الإصدارات.قال مصرفيون استثماريون إن حجم الإصدارات المتوقعة خلال الشهرين المقبلين يبدو محدوداً،
وقد لا يتجاوز تريليون روبية حداً أقصى، مقارنة بـ1.75 تريليون روبية خلال الفترة نفسها من العام الماضي. يرى خبراء أن الارتفاع الحاد في عوائد السندات يرفع تكاليف الاقتراض ويؤخر خطط التمويل لدى العديد من الجهات المصدرة، مما يضغط على شهية الإصدارات.قد تدفع البيئة الحالية الشركات إلى التحول نحو السندات ذات الفائدة المتغيرة،
والاقتراض قصير الأجل، والقروض المصرفية، بدلاً من الاعتماد على التمويل طويل الأجل ذي التكلفة المرتفعة، في إعادة تشكيل واضحة لهيكل التمويل.
وتيرة ارتفاع الفائدة في سوق السندات تفوق نظيرتها في الإقراض المصرفي، مما يدفع الشركات الكبرى إلى تفضيل البنوك كمصدر بديل للتمويل أكثر استقراراً نسبياً.أظهرت بيانات البنك المركزي أن الائتمان المصرفي الموجه إلى شركات التمويل غير المصرفية قفز بنحو 28% في أبريل، ليصل إلى 20.56 تريليون روبية، مما يعكس تحولاً تدريجياً في تدفقات التمويل.
أشار مسؤولون إلى أن عدداً من الشركات بدأ بالفعل التحول نحو القروض المصرفية، حيث كان الطلب في السابق موزعاً بين السندات والقروض، بينما يتركز حالياً بشكل أكبر على القروض، مع توقع استمرار هذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة.