في سياق النزاع المستمر في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" الذي دخل عامه الرابع، بدأت تتشكل ملامح اتجاه جديد بين بعض النازحين واللاجئين يتمثل في عدم الرغبة في العودة، حتى في حال تحسن الأوضاع الأمنية. هذا التوجه لم يعد مرتبطاً فقط بظروف الحرب المباشرة،

بل بعوامل مركبة تشمل فقدان الممتلكات، وتعطل سبل العيش، وتدهور الخدمات الأساسية، إضافة إلى تراجع الثقة في استقرار طويل الأمد.

وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن ملايين السودانيين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم خلال فترة قصيرة، في واحدة من كبرى موجات النزوح في تاريخ البلاد، مما أعاد تشكيل الخريطة السكانية وطرح تحديات معقدة تتعلق بمستقبل العودة وإعادة الاندماج. عبء نفسي يرتبط قرار "اللاعودة" لأعداد مقدرة من النازحين واللاجئين السودانيين بجملة من التحولات المادية والنفسية التي أعادت تشكيل علاقة الأفراد بالمكان.

يقول خالد السر، وهو موظف سابق لجأ إلى إحدى دول الجوار، إن "المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالحرب نفسها، بل بما ترتب عليها،

فقد فقدت منزلي بصورة كاملة، ولم تعد لدي وسيلة واضحة لاستعادة مصدر دخلي. حتى في حال توقف القتال لا توجد ضمانات لإعادة الإعمار أو تعويض المتضررين في المدى القريب"، وأضاف أن "العودة في هذه الظروف تعني البدء من الصفر في بيئة غير مستقرة،

مع غياب الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية. بالنسبة إلى كثيرين، هذا ليس خياراً عملياً". من جهتها،

توضح المتخصصة النفسية رحاب الباقر أن "التجارب المرتبطة بالعنف أو النزوح القسري تترك آثاراً طويلة المدى تؤثر في قرارات الأفراد لاحقاً"، مشيرة إلى أن بعض الأشخاص يربطون أماكنهم الأصلية بذكريات مرتبطة بالخطر أو الفقد، مما يجعل فكرة العودة مرتبطة بعبء نفسي، وليست فقط قراراً لوجيستياً.

وواصلت "هذا لا يعني غياب الانتماء، ولكن الأولويات تتغير، بخاصة لدى من لديهم أسر، إذ يصبح البحث عن بيئة مستقرة أكثر إلحاحاً من فكرة العودة بحد ذاتها،

ويلعب عامل الأمان دوراً حاسماً، فمع تعدد الجهات المسلحة وتغير السيطرة على الأرض في بعض المناطق، لا يرى كثر أن انتهاء القتال وحده كافٍ لضمان الاستقرار". أعباء مختلفة إلى جانب الاعتبارات الأمنية،

تمثل الأوضاع الاقتصادية والخدمية أحد أبرز العوامل التي تعزز قرار عدم العودة. وبحسب متخصصين، فإن تدهور شبكات الكهرباء والمياه، وضعف النظام الصحي،

يمثلان تحديات إضافية أمام أية عودة واسعة، خصوصاً للعائلات. هنا تشير مها عبدالهادي، وهي مواطنة سودانية تقيم حالياً في أوروبا،

إلى أن "الاستقرار النسبي الذي وفره بلد اللجوء غير طريقة التفكير في المستقبل، فهناك إمكان للتخطيط، والتعليم، والعمل،

وهي عوامل لم تعد متوافرة بالدرجة نفسها في السودان". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأردفت أن "قرار البقاء لا يتعلق فقط بما فقد، بل أيضاً بما أصبح متاحاً في مكان آخر، بخاصة على مستوى الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم".

في السياق يقول الباحث الاقتصادي عادل إبراهيم، إن "الدمار الذي طاول البنية التحتية في عدد من المدن، إلى جانب تعطل القطاعات الإنتاجية، يجعل من الصعب استيعاب العائدين في المدى القصير"،

وتابع أن "سوق العمل فقد جزءاً كبيراً من قدرته، سواء بسبب توقف المؤسسات أو انتقالها، مما يقلل من فرص إيجاد دخل مستقر"، مشيراً إلى أن "كلفة إعادة بناء الحياة،

سواء من جهة السكن أو العمل، تمثل عائقاً حقيقياً، بخاصة في ظل غياب برامج واضحة للتعويض أو الدعم". تحولات اجتماعية مع مرور الوقت،

يتحول النزوح من حال موقتة إلى واقع مستقر، بخاصة مع اندماج الأفراد في مجتمعات جديدة. يوضح الباحث الاجتماعي خالد يوسف أن "المدة الزمنية للنزوح تؤدي دوراً مهماً في تشكيل القرار، فكلما طالت فترة البقاء خارج البلاد زادت احتمالات الاستقرار الدائم،

كذلك فإن العلاقات الاجتماعية الجديدة، والتعليم، وفرص العمل، تعد عوامل تعزز هذا الاتجاه".

ولفت يوسف إلى أن "الأطفال الذين نشأوا خارج السودان خلال فترة النزاع قد لا يطورون ارتباطاً عملياً بالمكان الأصلي، مما يجعل قرار العودة أقل حضوراً داخل الأسرة، كذلك فإن وجود شبكات دعم من الجاليات السودانية في الخارج يسهم في تسهيل الاندماج، ويقلل من الضغوط المرتبطة بالعودة".

على رغم هذا الاتجاه، لا يعد قرار "اللاعودة" نهائياً في جميع الحالات، إذ يبقى مرتبطاً بتطور الأوضاع داخل البلاد. تقول الباحثة في شؤون الهجرة ندى طاهر إن "قرارات البقاء أو العودة غالباً ما تكون مرنة،

وتتأثر بعوامل مثل تحسن الأمن، واستقرار الاقتصاد، ووجود سياسات واضحة لإعادة الإعمار". ونوهت طاهر بأن "توفير ضمانات حقيقية،

وليس فقط وعوداً، قد يدفع بعض الفئات إلى إعادة النظر في قرار العودة مجدداً"، مؤكدة أن "الثقة في المؤسسات تؤدي دوراً حاسماً في قرارات الأفراد. ففي حال غياب هذه الثقة،

يصبح الاستقرار في الخارج خياراً أكثر واقعية، حتى لو كان موقتاً في البداية"، وزادت أن "التعامل مع ملف العودة يتطلب أيضاً مقاربة اجتماعية، تشمل إعادة بناء الروابط داخل المجتمعات المحلية،

ومعالجة آثار النزاع، وليس فقط توفير الخدمات، لكن كلما طال أمد الاستقرار في الخارج ارتفعت كلفة العودة، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية،

بخاصة للذين تمكنوا من بناء مسار مهني أو تعليمي جديد". في مقابل تزايد مؤشرات "اللاعودة"، يطرح غياب سياسات واضحة لإعادة الإعمار وإعادة الدمج تساؤلات حول دور الدولة في استعادة الثقة وتشجيع العودة. يقول المتخصص في السياسات العامة لؤي بابكر إن "العودة الطوعية لا تتحقق فقط بوقف الحرب،

بل تحتاج إلى إطار مؤسسي متكامل يشمل الأمن، والخدمات، والضمانات القانونية". وأردف بابكر أن "غياب رؤية واضحة لإعادة الإعمار أو تعويض المتضررين يخلق حالاً من التردد،

ويدفع بعض اللاجئين إلى اتخاذ قرارات طويلة الأمد بالبقاء خارج البلاد"، مضيفاً "كثير من التجارب الدولية تظهر أن العودة ترتبط بوجود برامج عملية، مثل إعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير فرص العمل،

وضمان حقوق الملكية، وهي عناصر لا تزال غير واضحة في الحال السودانية حتى الآن".