يشهد قطاع التأمين السعودي تعافياً قوياً واستقراراً تشغيلياً ملحوظاً، بفضل الحراك الاقتصادي المتسارع لمشروعات رؤية 2030 والتنظيمات التشريعية الصارمة. وقد قفزت الأرباح الصافية لـ 26 شركة تأمين مدرجة في السوق المالية السعودية بنسبة 34% خلال الربع الأول من عام 2026، لتصل إلى 251.2 مليون دولار (943 مليون ريال)،
مقارنة بـ 186.8 مليون دولار (701 مليون ريال) خلال الفترة نفسها من العام السابق.وجاء هذا الأداء القياسي بدعم مزدوج: نمو أنشطة التأمين الإلزامي والصحي، وازدهار عوائد المحافظ الاستثمارية للشركات. ومن أبرز العوامل الدافعة: زيادة أعداد المستفيدين من التأمين الصحي وتأمين المركبات، نمو عائدات الاستثمارات لدى الشركات الكبرى،
التوسع التشغيلي، تحسن جودة المحافظ التأمينية، وكفاءة إدارة المخاطر وإعادة التأمين.الشركات الكبرى تقود النموتكشف النتائج الربعية عن ظاهرة تركيز سوقي، حيث قادت الشركات الكبرى النمو مسجلة فجوة تنافسية واسعة مع الشركات الصغيرة والمتوسطة.
فمن بين 17 شركة حققت أرباحاً (11 منها سجلت نمواً صافياً)، تكبدت 9 شركات خسائر، مما يعزز التوقعات بموجة اندماجات واستحواذات قريبة تحت ضغط متطلبات الملاءة المالية.تصدرت شركة بوبا العربية المشهد بحصة تقارب 41% من إجمالي أرباح القطاع، محققة 387.3 مليون ريال،
بفضل تراجع مصاريف عقود إعادة التأمين وارتفاع نتائج الاستثمار. وجاءت التعاونية في المرتبة الثانية بصافي ربح 288.08 مليون ريال (نمو 10%)، مدعومة بارتفاع المبالغ المستردة من شركات إعادة التأمين وتوسع المحفظة الاستثمارية. وحلت تكافل الراجحي ثالثة بنمو 25% إلى 113.5 مليون ريال،
مستفيدة من التوسع التشغيلي واستقرار العوائد الاستثمارية.هندسة المخاطر والاستثمارأظهرت التحليلات أن الجزء الأكبر من النمو جاء من الشركات القيادية التي تمتلك محافظ تأمينية كبيرة وقواعد عملاء واسعة، مما يمنحها قدرة أعلى على تحقيق النمو المستدام والاستفادة من وفورات الحجم. كما أسهم تحسن نتائج إعادة التأمين وارتفاع العوائد الاستثمارية في دعم الأرباح، إلى جانب تحسن الانضباط الاكتتابي وكفاءة تسعير الوثائق وإدارة المطالبات.وبرزت بوبا العربية كأكبر مساهم في أرباح القطاع بحصة تجاوزت 40%،
مما يؤكد قوة قطاع التأمين الصحي واستمرار الطلب عليه. وواصلت التعاونية تحقيق نتائج قوية مدعومة بنمو الأعمال التأمينية والاستثمارات، بينما سجلت تكافل الراجحي نمواً لافتاً يعكس نجاحها في التوسع التشغيلي وتحسين جودة المحفظة التأمينية.وتشير المؤشرات الحالية إلى إيجابية عامة، خاصة مع استمرار النمو الاقتصادي في المملكة،
توسع المشروعات الكبرى، ارتفاع النشاط التجاري، زيادة الوعي التأميني، واتساع قاعدة المؤمن عليهم.
ويتوقع أن يستمر القطاع في تحقيق نتائج جيدة خلال 2026، وإن كانت بوتيرة متفاوتة بين الشركات وفقاً لجودة المحافظ وكفاءة إدارة المخاطر. وتظل المنافسة السعرية في بعض الأنشطة التأمينية، وتطور حجم المطالبات الطبية،
والتغيرات التنظيمية المحتملة، عوامل تحتاج مراقبة.مسار تصاعدي واندماجات مرتقبةيؤكد المحللون متانة قطاع التأمين السعودي وقدرته على تحقيق نمو ربحي مستدام، مع بقاء الشركات الكبرى في موقع القيادة خلال الأرباع المقبلة. ويلاحظ أن القطاع يمر بمرحلة تعافٍ قوية واستقرار تشغيلي،
لكن القراءة الأولية تكشف عن ظاهرة التركيز السوقي، حيث استحوذت الشركات الكبرى على الحصة الأكبر من الأرباح، مما يعكس فجوة تنافسية واضحة مع الشركات الصغيرة والمتوسطة.وتعود هذه الأرباح القياسية إلى عوامل استراتيجية وتشغيلية، أبرزها كفاءة إدارة المخاطر وإعادة التأمين،
حيث أظهرت الإفصاحات تراجعاً في صافي مصاريف عقود إعادة التأمين المحتفظ بها وارتفاع المبالغ المستردة، مما يشير إلى تحسن في هندسة العقود وإدارتها. كما لعبت الاستثمارات دوراً حاسماً كذراع مالية رديفة لعمليات التأمين الأساسية، واستفادت الشركات من استقرار العوائد وتوسيع المحفظة مستغلة البيئة الاستثمارية الإيجابية.
بالإضافة إلى ذلك، ساهم ضبط المصاريف التشغيلية عبر التحول الرقمي في خفض التكاليف ورفع كفاءة معالجة المطالبات.من المتوقع أن يواصل القطاع مساره الصاعد، مع ظهور ملامح إعادة تشكيل خريطة القطاع عبر موجة اندماجات واستحواذات محتملة. وجود 9 شركات متكبدة للخسائر سيخلق ضغطاً على الشركات الصغيرة،
مما سيعجل بدمجها لخلق كيانات قوية قادرة على الصمود والتنافس، تماشياً مع تطلعات البنك المركزي واستدامة ربحية الشركات القيادية. ومن المنتظر أن تحافظ الشركات الكبرى على وتيرة نموها الاستراتيجي بفضل عمق محافظها وعلاقاتها التعاقدية، مستفيدة من التوسع في التأمين الصحي وتأمين المركبات والمنتجات الجديدة مثل تأمين العيوب الخفية والتأمين السياحي وتأمين المنشآت.ويتمثل التحدي الأكبر في المنافسة السعرية،
ومدى قدرة الشركات على تجنب حرب الأسعار العشوائية والتركيز على التسعير العادل القائم على المخاطر لضمان عدم تآكل الأرباح. وستستمر البيئة التنظيمية الداعمة والرقابية الحازمة في دعم استقرار القطاع وتعزيز ثقة المستثمرين والمؤمن لهم، مما يجعله أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية والمحلية.إطار رأس المال المبني على المخاطرانتقل قطاع التأمين السعودي إلى التطبيق الإلزامي لإطار رأس المال المبني على المخاطر (RBC) اعتباراً من يناير 2027، ليحل محل الإطار الحالي ويصبح المعتمد لقياس الملاءة المالية.
تأتي هذه الخطوة ضمن توجه الاستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين نحو تعزيز الكفاءة والاستدامة ودعم مستهدفات رؤية 2030. ويسهم الإطار الجديد في تمكين الشركات من اتخاذ قرارات أكثر مرونة مع تحمل مسؤولية الاحتفاظ بمستويات رأسمال تتناسب مع المخاطر، مما يعزز الثقة بالقطاع من خلال قدرة الشركات على إدارة المخاطر بفاعلية وتحمل المسؤولية المالية تجاه المستثمرين وحملة الوثائق.كما يتيح الإطار تنوعاً في استثمارات الشركات ودعم النشاط الاقتصادي في القطاع المالي، وإمكانية تعزيز رأس المال عبر إصدار أدوات دين ثانوية لتوفير خيارات إضافية للوفاء بمتطلبات رأس المال بما يتماشى مع نمو الأعمال.
ويهدف الإطار إلى زيادة حجم رأس المال المبني على المخاطر في قطاع التأمين من 25 مليار ريال إلى 50 مليار ريال بحلول 2030، بما يتوافق مع الممارسات العالمية مثل نظام الملاءة الأوروبي، مع تكييفه ليتلاءم مع طبيعة القطاع السعودي. جناح شركة «التعاونية» في مؤتمر «ليب» بالعاصمة السعودية الرياض (الشركة) مبنى شركة «تكافل الراجحي» في الرياض (الشركة)