يقف موظف حكومي في منتصف الأربعينيات أمام أحد باعة الخضراوات بسوق محلية في الخرطوم، يتفحص الأسعار قبل أن يقرر تقليص قائمة مشترياته. يقول: "لم أعُد أتعامل مع قائمة ثابتة كما في السابق، بل أحدد أولوياتي وفق مقدرتي المالية،
خاصة أن دخلي الشهري لم يشهد أي زيادة تذكر مقابل الارتفاع المتسارع في أسعار السلع الأساسية، مما دفعني إلى إعادة ترتيب نمط إنفاقي اليومي".الحديث عن الغلاء في السودان لم يعد مرتبطاً بمواسم أو ظروف طارئة، بل أصبح سمة ملازمة للحياة اليومية، تؤثر في قرارات الشراء والاستهلاك بصورة مباشرة.
فمع تراجع قيمة العملة، وارتفاع كلف الاستيراد، وتقلص الإنتاج المحلي، يجد المواطن نفسه أمام أسعار تتصاعد بوتيرة تفوق قدرته على التكيف.
هذا التحول لا يمكن فصله عن سياق اقتصادي أوسع، يتسم بعدم الاستقرار وتراجع الموارد، مما يجعل الغلاء نتيجة طبيعية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد.أزمة هيكليةيرى مختص في الاقتصاد أن الغلاء في السودان لم يعد مرتبطاً بعوامل تقليدية مثل العرض والطلب فحسب،
بل أصبح انعكاساً لأزمة هيكلية في الاقتصاد ككل. أدى تراجع قيمة العملة المحلية إلى ارتفاع كلفة الاستيراد، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، خاصة في بلد يعتمد بصورة كبيرة على الواردات.
ويشير إلى أن ضعف الإنتاج المحلي، نتيجة لتدهور القطاعات الزراعية والصناعية، أسهم في تعميق الأزمة، إذ لم تعد هناك قدرة حقيقية على موازنة السوق داخلياً،
كما أن الاضطرابات السياسية والأمنية تؤدي دوراً مباشراً في تعطيل سلاسل الإمداد، مما يؤدي إلى نقص في السلع وارتفاع أسعارها.ويضيف المختص أن المشكلة لا تتوقف عند هذه العوامل، بل تمتد إلى غياب سياسات اقتصادية مستقرة قادرة على احتواء التضخم، خاصة أن الإجراءات المتخذة غالباً ما تكون موقتة أو غير متسقة،
ما يفقدها فاعليتها. ويؤكد أن التعامل مع الغلاء يتطلب إصلاحاً شاملاً يشمل دعم الإنتاج، وتحقيق استقرار نقدي، ووضع سياسات واضحة للتدخل في السوق،
لأن استمرار الوضع الحالي يعني ترسيخ الغلاء كجزء من الحياة اليومية.سوق منفلتةيقول باحث في الأسواق إنه في ظل ضعف الرقابة وغياب الضبط المؤسسي، أصبحت السوق السودانية بيئة مفتوحة لتفاوت الأسعار وغياب المعايير، إذ تختلف أسعار السلعة الواحدة من مكان لآخر، بل ومن متجر لآخر،
في مشهد يعكس حالاً من الانفلات يصعب معها تحديد قيمة حقيقية للسلع. هذا الواقع يعزز من شعور المواطنين بعدم الاستقرار، إذ لم يعد بالإمكان التنبؤ بكلف المعيشة، أو حتى وضع موازنة ثابتة.ويشير الباحث إلى أن غياب الرقابة الفعالة هو أحد أبرز أسباب تفاقم الغلاء،
إذ يفتح المجال أمام الممارسات غير المنظمة، مثل رفع الأسعار من دون مبرر واضح. فالتاجر في كثير من الأحيان يحدد السعر بناءً على توقعاته وليس على الكلفة الفعلية، خوفاً من تقلبات السوق.
ويضيف أن تعدد أسعار الصرف وغياب مرجعية واضحة يؤديان إلى حال من الفوضى، فكل تاجر يعتمد على تقديراته الخاصة، وهذا الوضع لا يضر بالمستهلك فحسب، بل يخلق بيئة غير مستقرة للتجارة نفسها.ويختتم الباحث قائلاً إن بعض التجار ليسوا بالضرورة مستفيدين،
بل متضررون من تقلبات السوق، إذ يواجهون صعوبة في إعادة شراء البضائع بأسعار مستقرة. ويرى أن الحل لا يكمن فقط في فرض الرقابة، بل في استقرار السياسات الاقتصادية،
وتوحيد سعر الصرف، وتوفير معلومات واضحة، لأن أي سوق بلا قواعد واضحة يتحول تلقائياً إلى بيئة طاردة للاستقرار.ضغط معيشيعلى مستوى الحياة اليومية، أصبح الغلاء تجربة معيشية قاسية يعايشها المواطن في كل تفاصيله،
من الغذاء إلى المواصلات وإلى الخدمات. ومع تآكل القدرة الشرائية، أصبح التكيف مع الغلاء جزءاً من نمط الحياة، عبر تقليل الاستهلاك أو الاستغناء عن بعض الحاجات الأساسية.
يقول اختصاصي اجتماعي إن هذا التكيف، وإن بدا حلاً موقتاً، فهو يعكس تحولات أعمق في بنية المجتمع، إذ تتغير أولويات الأسر،
وتتراجع مستويات المعيشة بصورة تدريجية، من دون وجود أفق واضح للتحسن.ويضيف الاختصاصي أن الغلاء لا يؤثر فقط في الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي والنفسي للأفراد، فالضغوط المعيشية المستمرة تؤدي إلى مستويات عالية من التوتر والقلق،
خاصة لدى الأسر ذات الدخل المحدود. ويشير إلى أن التكيف مع الغلاء غالباً ما يتم عبر تقليل الإنفاق على مجالات أساسية مثل التعليم أو الصحة، مما قد تكون له آثار طويلة المدى على المجتمع. ويلجأ بعض الأسر إلى استراتيجيات أكثر حدة،
مثل عمل أكثر من فرد، أو الاتجاه إلى أعمال غير مستقرة، مما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها.ويؤكد الاختصاصي الاجتماعي أن هناك قدرة نسبية لدى المجتمع السوداني على التكيف، بحكم تجاربه السابقة مع الأزمات،
لكن استمرار الوضع الحالي قد يتجاوز حدود هذه القدرة. ويلفت إلى أن غياب تدخلات اجتماعية فعالة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الفئات، وتحول الغلاء إلى عامل دائم لإعادة تشكيل المجتمع.اعتياد خطرالأخطر في مشهد الغلاء ليس ارتفاع الأسعار بحد ذاته، بل الاعتياد عليه.
فمع مرور الوقت، يتحول الغلاء من صدمة إلى واقع طبيعي، يتعامل معه المواطن كأمر مفروغ منه. يؤكد الخبراء أن هذا التحول يعكس حالاً من التكيف القسري،
لكنه في الوقت ذاته يحمل دلالات أعمق، تتعلق بضعف القدرة على التغيير أو التأثير في السياسات. بين من يرى في هذا الاعتياد مرونة مجتمعية، ومن يراه مؤشراً إلى تراجع التوقعات،
يبرز سؤال حول ما إذا كان الغلاء بات بالفعل جزءاً من النظام الطبيعي للحياة.يوضح باحث في السياسات العامة أن أخطر ما في الأزمات الاقتصادية هو تحولها إلى حال طبيعية، لأن ذلك يقلل من الضغط المجتمعي لإيجاد حلول. ويؤكد أن اعتياد المواطنين على الغلاء قد يؤدي إلى تراجع سقف التوقعات، بحيث يصبح الحصول على الحد الأدنى من الحاجات إنجازاً بحد ذاته.
ويشدد على أن هذا الوضع قد يمنح صناع القرار مساحة أوسع لتأجيل الإصلاحات، في ظل غياب ردود فعل قوية، لكن لا بد من الحذر لأن هذا الهدوء الظاهري قد يخفي تراكمات قابلة للانفجار في أي لحظة.ويرى الباحث أن المرونة المجتمعية ليست بالضرورة سلبية، بل قد تعكس قدرة على التكيف،
لكن هذه القدرة لها حدود. وإذا لم تقابل بإصلاحات حقيقية، فإنها قد تتحول إلى عبء إضافي. ويخلص إلى أن السؤال لم يعد لماذا ارتفعت الأسعار؟
بل كيف يمكن كسر دائرة الاعتياد، وإعادة طرح الغلاء كقضية تستدعي المعالجة، لا مجرد واقع يتعايش معه.