كشف إعلان المملكة المتحدة يوم الخميس الماضي والمتعلق بفرض عقوبات على أفراد وشركات على صلة بتجارة الذهب في السودان عن حقيقة صادمة: ففي الوقت الذي يُقتل فيه مدنيون ويُهجرون ويُتركون فريسة للجوع، يواصل آخرون جني أرباح من هذا الصراع، من خلال تجارة الذهب غير المشروعة والشبكات المالية السرية. ففي كل سنة،

تُهرب من السودان كميات من الذهب تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات، عبر قنوات غير قانونية، ما يوفر مورداً مالياً يبقي الحرب مشتعلة. وقد خلف هذا الصراع مجتمعات مدمرة،

وقضى على مصادر الرزق، وأدى إلى أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم اليوم. وتكمن وراء المعارك الدائرة على الأرض، شبكة معقدة تضم ممولين ومسؤولين عن عمليات التوريد وتجاراً وشركات،

يحولون الثروات الطبيعية إلى أسلحة، وقدرات لوجستية، وإمكانات عسكرية. هؤلاء جميعهم يشكلون التروس التي تدير آلة حرب مربحة تواصل نشر الدمار في مختلف أنحاء السودان.

كان يُفترض بالذهب السوداني أن يكون مصدراً لازدهار البلاد، لكنه تحول بدلاً من ذلك إلى وقود لسفك الدماء. من هنا، فإن قرار المملكة المتحدة فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بهذه الشبكات،

التي تتخذ من دبي وهونغ كونغ مقراً لها، يبعث برسالة واضحة مفادها أن المساءلة يجب ألا تقتصر على ساحات القتال أو تقف عند حدود السودان فقط. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) فأولئك الذين يمولون الحرب، أو يسهلون عمليات شراء المعدات،

أو ينقلون الأموال، أو يحققون أرباحاً من استمرار النزاع، ينبغي ألا يظلوا قابعين في الظل، في الوقت الذي تتحمل فيه أسر سودانية عادية وحدها عواقب المأساة الحاصلة.

هذا التحرك البريطاني يأتي في توقيت بالغ الأهمية، ففيما يتابع العالم التدهور المتسارع للأوضاع في مدينة الأبيض (عاصمة ولاية شمال كردفان)، تزداد التحذيرات إلحاحاً. وقد أثارت التقارير الواردة عن استهداف البنية التحتية المدنية هناك،

ومنشآت الوقود، وطرق الإمداد الرئيسة، مخاوف متنامية من أن تلقى هذه المدينة المصير نفسه الذي شهدته مدينة الفاشر، بينما يواجه مئات الآلاف من المدنيين خطر الوقوع في دائرة العنف،

وكثير منهم سبق أن نزحوا جراء موجات سابقة من القتال. لقد شاهد العالم الفظائع التي تكشفت في مدينة الفاشر، واستمعنا لشهادات أفراد ناجين، ورأينا نتائج العواقب عندما تصاعدت وتيرة العنف وتُرك المدنيون من دون حماية.

واليوم، يزداد الخوف من أن يعيد التاريخ نفسه. غير أن هذا السيناريو ليس قدراً محتوماً. فالتاريخ لا يحدث لنا ببساطة،

بل يتشكل بناءً على الخيارات التي نتخذها والأفعال التي نقدم عليها. وتُعد هذه إحدى اللحظات الفاصلة التي ستنظر إليها الأجيال المقبلة، وتحكم من خلالها على الطريقة التي تصرف بها العالم. إن أروقة المؤسسات الدولية وصفحات التاريخ تزخر بأمثلة كثيرة لفظائع كان من الممكن تفاديها لو أن المجتمع الدولي تحرك في وقت أبكر،

أو كانت لديه إرادة أكثر حزماً. وهي تحمل في طياتها ذكريات تدخلات شجاعة، إلى جانب فرص ضائعة. لهذا،

نحن عازمون على عدم السماح بتحول مدينة الأبيض في السودان إلى مأساة أخرى كان من الممكن تفاديها. ولا نريد أن يأتي بعد سنوات يوم ننظر فيه إلى الوراء ونسأل أنفسنا عما إذا كان بالإمكان فعل المزيد لإنقاذ أرواح. لا يزال المجتمع الدولي يمتلك القدرة على التأثير، ويجب علينا أن نستخدمها.

وينبغي عدم التقليل من الثقل الدبلوماسي للمملكة المتحدة، وفي الوقت الذي تتولى فيه بريطانيا دور "حامل القلم" Penholder في موضوع السودان داخل "مجلس الأمن" [تقليد غير رسمي يقضي بأن تقوم دولة واحدة أو أكثر بالمبادرة والقيادة في صياغة القرارات المتعلقة بدولة معينة ومتابعتها]، فإننا نعمل على إبقاء اهتمام المجتمع الدولي مركزاً على الأخطار المتصاعدة في مدينة الأبيض. وقد نجحنا في بلورة توافق داخل "مجموعة السبع" لدعم الجهود الرامية إلى منع حدوث مزيد من التصعيد،

والضغط على جميع الجهات والدول التي تمتلك نفوذاً على أطراف النزاع السوداني كي تستخدم هذا النفوذ بمسؤولية. الواقع هو أن الحرب في السودان لا تحدث في فراغ. فما زالت أطراف خارجية عدة تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة من خلال هذا الصراع، وتتعامل مع السودان بصفته رقعة شطرنج جيوسياسية للتنافس على النفوذ فيه ونهب ثرواته.

لهذا السبب تكتسب العقوبات المعلنة اليوم أهمية خاصة، فهي لا تقتصر على فرض قيود مالية أو تجميد أصول، بل تستهدف من جهة قطع الشرايين الاقتصادية التي تبقي الصراع مستعراً، ومن جهة أخرى رفع كلفة التواطؤ،

وبالتالي إيصال رسالة واضحة إلى جميع الذين يتربحون من هذه الحرب مفادها أنه لم يعد بوسعهم التعويل على التخفي أو الإفلات من الملاحقة والعقاب، بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم. مع ذلك، فإن العقوبات وحدها لن تنهي هذا الصراع.

فما يحتاج إليه السودان هو أن يكون هناك ضغط دولي متواصل، وأن تكون هناك محاسبة حقيقية عن الفظائع المرتكبة، وضمان حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق،

إلى جانب إطلاق مسار سياسي يتمتع بالثقة ويفضي إلى السلام. لقد أمضى الشعب السوداني أكثر من ثلاثة أعوام تحت وطأة معاناة لا يمكن تصورها، وهو يستحق تحركاً حقيقياً من المجتمع الدولي، كما يستحق مستقبلاً تصبح فيه ثروات السودان محركاً للتنمية والفرص والازدهار،

لا وقوداً للحرب. البارونة تشابمان من دارلينغتون هي وزيرة الدولة البريطانية للتنمية الدولية وشؤون أفريقيا هذه المقالة هي جزء من سلسلة "إعادة التفكير في المساعدات العالمية" Rethinking Global Aid التي تنشرها "اندبندنت"