بحكم موقعه بين منطقة القرن الأفريقي وشمال أفريقيا، اكتسب السودان أهمية في مسارات الهجرة غير النظامية، إذ شكلت الظروف المحيطة بيئة خصبة للجرائم المتعلقة بالهجرة واللجوء ومن بينها الاتجار بالبشر والعمليات التي تنفذها هذه الشبكات من اختطاف وابتزاز واستغلال قسري، ولا سيما على الطريق الصحراوي المؤدي إلى ليبيا.

وتوثق تقارير دولية سابقة هذه الأخطار، فيما أشارت منظمة الهجرة الدولية إلى تاريخ طويل للاتجار في السودان وإلى اعتماد نسبة كبيرة من المهاجرين على المهربين خلال الرحلة. ولم تبدأ محنة السودانيين مع طرق الهجرة إلى أوروبا مع اندلاع الحرب السودانية في أبريل (نيسان) عام 2023، لكن النزاع أعاد تشكيل الظاهرة على نطاق أوسع،

إذ دفع العنف والانهيار الاقتصادي وتآكل مؤسسات الحماية ملايين السودانيين إلى عبور الحدود، مما أوجد على امتداد الطريق ظروفاً يستغلها المهربون والمتاجرون والجماعات المسلحة. ووفق أحدث بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كان أكثر من 5 ملايين سوداني فروا من البلاد حتى يوليو (تموز) الماضي،

فيما تجاوز عدد النازحين قسراً نحو 11 مليوناً، في زيادة واضحة على عام 2025، إذ كان عدد اللاجئين السودانيين نحو 3 ملايين، بينما بقي 9 ملايين شخص نازحين داخل السودان.

وتكشف أحدث دراسة للمفوضية عن المسار الأوروبي عن اتساع الحلقة، إذ وصل عدد السودانيين الوافدين إلى أوروبا المتوسطية عام 2025 إلى 14104، بزيادة 246 في المئة على عام 2024، فيما مثل السودانيون 12 في المئة من الوافدين خلال الربع الأول من 2026.

وعبر 93 في المئة من السودانيين الذين قابلتهم المفوضية في جنوب شرقي أوروبا ليبيا، حيث أفاد مشاركون بالاحتجاز والتعذيب والاستغلال في العمل والاتجار بالبشر، وقال 35 منهم إنهم احتجزوا هناك بين أسبوعين وستة أشهر. ولم تعُد الحرب مجرد عامل دفع،

بل ضاعفت أخطار شبكة عابرة للحدود، تتغذى من غياب الحماية وتضاؤل سبل العيش. وتتداخل في هذه المنظومة حدود اللجوء والهجرة والتهريب والاتجار، بما يجعل الحماية القانونية أصعب في نقاط العبور ومراكز الاحتجاز.

حلقة رئيسة قبل أن تغير الحرب خريطة النزوح واللجوء في السودان والمنطقة، كان السودانيون عرفوا الهجرة القسرية منذ عقود. فالحروب في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية وتراجع فرص العمل،

دفعت موجات متعاقبة إلى تشاد ومصر وليبيا وإثيوبيا، ثم إلى وجهات أبعد في أوروبا. ولم تكُن هذه الرحلات تسير دائماً في مسار واحد، فطالب اللجوء كان يجد نفسه إلى جانب المهاجر الباحث عن العمل،

وكلاهما عرضة لشبكات تستغل ظروفهما.  وفي غرب السودان، تعود حركة العبور إلى ليبيا لستينيات القرن الماضي، وكانت في بداياتها جزءاً من اقتصاد حدودي وتبادل تجاري مشروع،

قبل أن تتسع لاحقاً وتدخلها شبكات التهريب والاستغلال. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، أخذت المسارات تستقبل أعداداً متزايدة من الإثيوبيين والإريتريين والصوماليين، فتحولت إلى طرق للهجرة المختلطة.

ومع تشديد الرقابة على الحدود وتجريم العبور غير النظامي، ازدادت الرحلات اعتماداً على وسطاء وشبكات سرية، وبرزت حالات احتجاز وابتزاز وعمل قسري وعنف جنسي، وهي ممارسات تقع في صميم أخطار الاتجار بالبشر.

أقر السودان عام 2014 قانوناً لمكافحة الاتجار بالبشر (أ ف ب) وفي الاتجاه الآخر، ظل السودان لعقود ملاذاً للاجئين من دول الجوار، لكنه أصبح في الوقت ذاته حلقة رئيسة في الطريق المتجه شمالاً. فالإريتريون والإثيوبيون وغيرهم كانوا يدخلون عبر شرق البلاد،

ثم يتجه بعضهم إلى الخرطوم ومنها إلى الولاية الشمالية أو شمال دارفور، قبل عبور الصحراء إلى ليبيا ومنها إلى البحر المتوسط. ومع اتساع الظاهرة، انتقلت المعالجة تدريجاً من ترتيبات محلية وأمنية إلى تعاون إقليمي ودولي،

فعام 2012 أنشئت قوة سودانية- ليبية مشتركة لحراسة الحدود، وفي 2014 أقر السودان قانوناً لمكافحة الاتجار بالبشر، بالتزامن مع إطلاق "عملية الخرطوم" في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته ضمن مبادرة الاتحاد الأوروبي حول مسار الهجرة في القرن الأفريقي. وبعد قمة فاليتا 2015،

توسعت برامج التعاون والتمويل في 2016 لبناء قدرات إدارة الحدود ومواجهة التهريب والاتجار، غير أن هذا المسار الأمني أثار انتقادات حقوقية في شأن أولوية ضبط الحدود على حساب حماية طالبي اللجوء والمهاجرين، وهي معضلة ظلت حاضرة حتى اندلاع الحرب التي أعادت تشكيل طرق العبور وأخطارها على نحو جذري. مسارات خطرة  وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين،

سجلت إيطاليا أعلى أعداد الوافدين السودانيين بين أعوام 2021 و2024، قبل أن تصبح اليونان بلد الوصول الرئيس عام 2025، باستقبال 9110 سودانيين، بزيادة تقارب ستة أضعاف على عام 2024.

واستمر الاتجاه خلال الربع الأول من العام الحالي، إذ شكل السودانيون 43 في المئة من الوافدين إلى أوروبا، مع افتتاح مسار بحري جديد من ليبيا إلى كريت. وفي 2025،

كانت ليبيا نقطة انطلاق لنحو 84 في المئة من بينهم. ويغلب الرجال البالغون على هذه التدفقات، إذ تراوحت نسبتهم ما بين 81 و88 في المئة خلال الفترة الممتدة ما بين عام 2021 وعام 2025، مقابل ستة في المئة إلى 15 في المئة للأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن ذويهم.

ويختلف ذلك جذرياً عن البلدان المجاورة، حيث تمثل النساء والأطفال 71 في المئة إلى 86 في المئة من اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين، باستثناء ليبيا. واعتمدت المفوضية على بيانات الوصول ومقابلات مع 173 سودانياً بين يناير (كانون الثاني) 2025 ويوليو (تموز) الماضي،

ونقاشات جماعية في اليونان وإيطاليا وإسبانيا.  وحذر المتحدث باسم المفوضية يوجين بيون في يونيو (حزيران) الماضي من أزمة إنسانية وسلامة الطفولة. وكان مركز الهجرة المختلطة حذر عام 2023 من تصاعد الاحتجاز مقابل الفدية والاتجار، وهي أخطار وثقها تقرير المفوضية "الموت في الصحراء" لعام 2024،

المستند إلى أكثر من 31 ألف مقابلة، وشملت الاختطاف والاتجار والابتزاز والاغتصاب والسرقة وإزالة الأعضاء والاحتجاز والطرد. كذلك، صنف تقرير الخارجية الأميركية لعام 2024 السودان في المستوى الثالث،

مشيراً إلى قصور جهود مكافحة الاتجار بالبشر وخلط السلطات بين الاتجار وتهريب المهاجرين والاختطاف. وفي يونيو الماضي، وصف المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، تصاعد الاتجار منذ أبريل عام 2023 بأنه أزمة إنسانية وجريمة منظمة.

وفي ليبيا، تحدث صاحب مبادرة ومفوض "منظمة الحد من الهجرة غير الشرعية والعودة الطوعية للعالقين بدول المهجر" مالك الديجاوي عما وصفه بـ"رحلات انتحارية" يسلكها اللاجئون عبر مسارات إقليمية متعددة بما تحمله من أخطار جسيمة في الصحاري والغابات، لتفادي كلفة التهريب التي قد تصل إلى نحو 150 ألف دولار أميركي للرحلة، مما يدفع مهاجرين إلى خيارات أقل كلفة وأكثر خطراً،

وسط غياب حماية كافية واستجابة دولية مستدامة. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) سلسلة الوسطاء  منذ اندلاع الحرب، دفعت الانتهاكات وانهيار سبل العيش وانسداد أفق العودة آلاف السودانيين إلى مصر وليبيا وتشاد، ثم إلى أوروبا.

وفي المقابل، تبدو أوروبا، عبر روايات الأقارب ووسائل التواصل، فضاء للحماية والعمل واللجوء.

 وتبدأ خريطة الحركة غالباً من دارفور وشمال السودان، ثم تتفرع عبر الصحراء إلى الكفرة، أو شمالاً إلى مصر، أو غرباً عبر تشاد قبل دخول ليبيا.

وأصبحت الكفرة نقطة رئيسة للوافدين من السودان وتشاد، بينما أجبرت القيود الأمنية في المثلث الحدودي بعض السودانيين على سلوك طرق أطول وأكثر خطراً عبر تشاد. ومن ليبيا تتشعب الرحلة إلى الساحل، طرابلس نحو إيطاليا،

أو شرقاً من طبرق نحو اليونان. وتلخص شهادات الناجين الذين قابلتهم المفوضية، كذلك تتكرر ضمن مقابلات المهاجرين، منطق الرحلة،

بأن ليبيا ليست الغاية، فبالبحث عن مكان آمن، يصبح البحر هو الطريق الوحيد الباقي بالنسبة إلى اللاجئين. ولا تنشط هذه الأطراف ضمن تنظيم إجرامي واحد،

وإنما عبر منظومة مترابطة من شبكات وأدوار متباينة تشمل الممولين والمنظمين والوسطاء والسائقين وحراس الحدود والجماعات المسلحة وأصحاب المصالح التجارية، فضلاً عن الوسطاء المحليين وشبكات المهاجرين. وتتداخل هذه الشبكات مع التعدين الأهلي للذهب وحركة النقل والتهريب التجاري، مستفيدة من موارد مشتركة تشمل المسارات والمركبات والأيدي العاملة والتمويل غير الرسمي.

وفي شهادة أخرى، يصف مهاجر طريقه بأنه سلسلة من الوسطاء، شخص في السودان، وسائق عند الحدود،

ووسيط في ليبيا، ثم صاحب قارب. وهنا يتداخل التهريب بالاتجار، ويبدأ الاتفاق طوعياً على النقل،

لكنه قد ينقلب إلى احتجاز أو عمل قسري أو ابتزاز أو عنف. وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن 70 في المئة من السودانيين على المسار المركزي أبلغوا عن عنف جسدي، و26 في المئة عن الاحتجاز القسري. لذلك لا تكمن خطورة الطريق في عبور الحدود وحده،

بل في اقتصاد متدرج للاستغلال يزداد ضراوة كلما طال المسار وتعدد الوسطاء. اختبار طويل ومع تحول النزوح واللجوء إلى واقع مفتوح زمنياً، يتقدم الاتجار بالبشر كواحد من أخطر أنواع الاستغلال، فكلما طال الطريق،

اتسعت مساحة الخطر لآلاف في مرمى شبكات تستثمر في الحاجة والخوف. وقد تنتقل شبكات الاتجار تدريجاً إلى استغلال نقاط جديدة على امتداد الطريق، مستفيدة من طول الانتظار وضعف الرقابة وتزايد الاعتماد على الوسطاء. ومن المحتمل أن يظهر الخطر بصورة أكبر في المناطق التي تتحول موقتاً إلى مراكز تجمع أو عبور،

حيث يصعب التحقق من هوية الوسطاء ومراقبة طبيعة الخدمات والفرص التي يعرضونها. وبعدما دقت المنظمات الدولية ناقوس الخطر، من الممكن أن تتحرك الحماية أكثر نحو أماكن حركة الناس نفسها، مما يعني فحصاً مبكراً عند المعابر وتدريب العاملين على التقاط إشارات الاتجار وإحالة الضحايا سريعاً إلى خدمات قانونية ونفسية واجتماعية.

وربما تزداد قيمة بيانات تتبع الحركة العابرة للحدود في الكشف عن المسارات الخطرة وتحديد نقاط التدخل، وهو مسار تدعمه عمليات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة. وإن أي تحسن أمني أو مؤسسي في الأزمة السودانية ربما يفتح الباب أمام تعاون أوسع بين السلطات والمنظمات المحلية وشبكات المجتمع المدني، لتوثيق الحالات وملاحقة الوسطاء والشبكات التي تتغذى على وضع النازحين واللاجئين.

وفي دول الجوار، سيصبح التنسيق عبر الحدود أكثر إلحاحاً، خصوصاً في تبادل المعلومات بأمان وتوحيد مسارات الإحالة وحماية الأطفال ولمّ شمل الأسر. ولكن غياب الدخل المنتظم والسكن الآمن يدفعان بعض الأسر إلى خيارات قسرية،

ويمنحان الوسطاء نفوذاً أكبر على قرارات الرحيل والعمل والعودة وعلاقات الأسرة. وإذا انتهى النزاع، فلن يعني ذلك بالضرورة انتهاء الخطر، فيرجح أن تنتقل الشبكات إلى طرق العودة ومناطق الاستقرار الجديدة.

إذاً، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى اختبار طويل لقدرة السودان ودول الجوار والمنظمات على بناء حماية مستمرة، يشارك اللاجئون أنفسهم في تشكيلها، وتكون قادرة على ملاحقة الخطر قبل أن يتحول إلى جريمة مكتملة،

ببناء حماية تسبقها من التمويل والخدمات الأساسية والتعاون العابر للحدود وآليات تمنح اللاجئين والنازحين دوراً فعلياً في تصميم الحماية التي يحتاجون إليها.