في خطوة تمثل مفتاحاً لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني وتقليل كلفة النقل وربط مدن السودان ببعضها البعض، استأنفت السلطات تشغيل قطار الخرطوم ود مدني في أول عودة فعلية لحركة القطارات إلى وسط البلاد منذ اندلاع الحرب. انطلق القطار من العاصمة ووصل ود مدني قاطعاً نحو 180 كيلومتراً، إذ تحاول الحكومة المركزية إعادة إحياء منظومة السكة الحديد بوصفها شرياناً اقتصادياً واجتماعياً منخفض الكلفة في زمن الانهيار.
وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، استأنفت هيئة السكة الحديد تشغيل قطار الشرق الرابط بين بورتسودان وعطبرة، لتعيد بعض الحيوية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق الواقعة على مسار ولايات شرق وشمال السودان، إضافة إلى ربط الخرطوم بالإقليم الأوسط،
وكذلك خففت كلفة السفر بين الولايات. خطة متكاملة في السياق، أكد وزير النقل والبنية التحتية السوداني سيف النصر هارون أن "استئناف تشغيل قطار الخرطوم ود مدني يمثل الخطوة الأولى ضمن خطة متكاملة لإعادة السكة الحديد إلى سابق عهدها". وأضاف أن "المشروع سيدعم الاقتصاد الوطني،
وستشكل السكة الحديد بديلاً للنقل البري الذي يتسبب في تردي الطرق القومية"، مشيداً بجهود العاملين "الذين بذلوا عملاً كبيراً لإعادة تشغيل هذا الخط الحيوي". وأشار هارون إلى التزام الوزارة بتنفيذ مشاريع التطوير لرفع كفاءة الأداء وتعزيز إسهام القطاع في الاقتصاد الوطني، لافتاً إلى أن "الخطة التوسعية تشمل كذلك تحديث خط هيا - كسلا ضمن جهود تنمية شرق السودان،
إلى جانب الترتيب لتمديد الخدمة إلى مدينة كوستي خلال الفترة المقبلة". وتعهد وزير النقل "بمواصلة إعادة فتح خطوط أخرى، بينها تأهيل خط شرق السودان الممتد إلى كسلا والقضارف وسنار والدمازين". تعد سكك الحديد السودانية من أطول السكك في أفريقيا التي جرى إنشاؤها عام 1897 مع بداية الاحتلال الإنجليزي (أ ف ب) خطوة مهمة بدوره،
أوضح مدير هيئة السكك الحديد في السودان موسى القوم الجهدي أن "استئناف تشغيل قطار ود مدني وولاية الجزيرة يمثل خطوة مهمة في مسار استعادة خدمات السكك الحديد بعد توقف دام أكثر من ثلاثة أعوام". ونوه الجهدي إلى أن "أعمال تأهيل الخط استمرت لمدة 40 يوماً، ونفذها عمال الهيئة في ظل ظروف صعبة للغاية". وبين مدير هيئة السكك الحديد أن "الميليشيات استهدفت القطاعات في عدد من المدن مما أحدث دماراً وخراباً،
فضلاً عن عمليات سلب ونهب للمعدات والفلنكات الخشبية، علاوة على وجود تلف وتخريب في خط السكة الحديد ببعض المناطق". نقص التمويل على نحو متصل، أشار عضو هيئة السكك الحديد السابق جمال بركة إلى أن "خطوة استئناف تشغيل قطارات بعض الخطوط المحدودة تأتي في وقت يتدهور فيه القطاع بصورة غير مسبوقة،
إذ تعرضت خطوط ومحطات للتخريب والنهب وتوقفت خدمات القطارات بالكامل داخل الخرطوم ومحيطها، فيما تعمل الشبكات المتبقية في الشرق والشمال بقدرات محدودة، وبقوافل صيانة تفتقر إلى التمويل والمعدات. وعلى خط عطبرة - وادي حلفا،
يواصل عمال الصيانة عملهم في ظروف بالغة القسوة، معتمدين جزئياً على دعم المجتمعات المحلية". ولفت إلى أن "ما يجري يمثل محاولة إنقاذ أكثر من كونه خطة شاملة، فغياب التمويل الحكومي الواضح وتقادم القاطرات وترك القطاع رهناً لحماسة العاملين،
كلها تحد من فرص استعادة دور السكة الحديد كمنافس حقيقي للنقل البري الذي تهيمن عليه شركات خاصة". ونبه بركة إلى أن "إعادة بناء شبكة القطارات تظل مرهونة بوقف الحرب وتوفير استثمارات جادة ورؤية تنموية تعيد للقطار موقعه في قلب الاقتصاد السوداني لا على هامشه". ويتابع "منذ عام 2019، فقد السودان أحد أهم مصادر التمويل الكبرى لمشاريع البنية التحتية الضخمة،
وهو النفط المدعوم بشراكات استراتيجية مع الصين، التي كانت حجر الأساس في بناء شبكة السكة الحديد وتوسيعها، مستفيدة من عائدات النفط والائتمانات الخارجية. ومع خروج الصين إلى حد كبير،
وجد السودان نفسه بلا شريك مالي وتقني رئيس لإعادة تأهيل شبكة مترهلة". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تأهيل وتطوير على صعيد متصل، أوضح عضو هيئة الإقليم الغربي، بابنوسة السابق،
محمود تيه أن "البنية التحتية للسكة الحديد تتطلب موازنات ضخمة لتأهيل القضبان وتحديث القاطرات وإنشاء ورش صيانة حديثة وتطوير نظم الإشارات والسلامة، في وقت تعاني فيه الدولة ضعف الموارد المالية وارتفاع التضخم، مما يجعل الاعتماد على الموازنة الحكومية وحدها أمراً صعب التحقيق، إضافة إلى أن جذب شركاء استثماريين جدد سواء من القطاع الخاص المحلي أو المستثمرين الدوليين مرتبط بثقة هؤلاء في استقرار النظام السياسي والاقتصادي،
وهو أمر يعوقه استمرار حال عدم اليقين الناتجة من النزاع المستمر داخل البلاد. ولفت إلى أن "خط الوجهة إلى مدينة نيالا توقف منذ اندلاع الحرب، إذ كان يسهم في نقل المنتجات الزراعية ومدخلاتها والسلع كافة دعماً للاقتصاد الوطني وتنمية الأرياف في إقليم دارفور، فضلاً عن خروج خطوط بابنوسة الرابطة بولاية شمال كردفان وعاصمة محلية القوز - الدبيبات في جنوب الإقليم".
ونبه تيه من "عمليات سلب ونهب للرافعات الخشبية ومثبتات الفلنكة، وكذلك تفكيك معدات خطوط بعض المناطق بولايتي دارفور وكردفان، ومع استمرار القتال من غير المستبعد توسع دائرة السرقات والتخريب". وأردف "بعض المحطات في القطاع الغربي تحولت إلى أماكن مهجورة،
وباتت عربات نقل الركاب والبضائع تفتقر إلى الحماية من قطاع الطرق". دور اقتصادي تعد سكك الحديد السودانية من أطول السكك في أفريقيا التي جرى إنشاؤها عام 1897 مع بداية الاحتلال الإنجليزي، إذ تربط جميع أجزاء البلاد، وكان نقل البضائع النشاط الأساس لها مع خدمة ركاب بأسعار زهيدة.
وقامت بدور اقتصادي من خلال الربط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك والتصدير، إذ إن كلفة النقل الذي توفره القطارات لديها ميزات عدة مقارنة ببقية وسائل النقل الأخرى. وقام عمال السكك الحديد في السودان بدور بارز في النضال من أجل استقلال البلاد، وظهرت البوادر الأولى للحراك الوطني ضد الاستعمار البريطاني في أوساط نقابة هيئة السكك الحديد التي أسست أولى لبنات الوعي السياسي والحقوقي من أجل التحرر وتحقيق المساواة بين أبناء البلد الواحد،
وكانت سباقة للمساعدة في إنشاء النقابات الأخرى مثل المزارعين والعاملين وغيرهم، وفي مقاومة الديكتاتوريات المختلفة بعد الاستقلال.