تعيش البنوك المركزية الكبرى حالة استنفار قصوى لإعادة ضبط سياساتها النقدية تحت وطأة الصدمة النفطية الناتجة عن التوترات في الشرق الأوسط. وتكشف التحركات المرتقبة عن مفارقة حادة؛ فبينما يستعد البنك المركزي الياباني للتخلي عن حذره التاريخي والقفز بالفائدة إلى مستويات غير مسبوقة منذ ثلاثة عقود، يبدو البنك المركزي البريطاني أقرب إلى تبني نهج الانتظار الحذر لامتصاص صدمة انكماش الاقتصاد.بنك إنجلترايتجه البنك المركزي البريطاني في اجتماعه المرتقب يوم 18 يونيو إلى الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة عند 3.755%، مدفوعًا بظهور أولى علامات الإنهاك على الاقتصاد الذي انكمش بنسبة 0.1% في أبريل،
مع بدء ظهور تداعيات الصراع الإقليمي على سلاسل الإمداد. تشير التوقعات إلى تصويت اللجنة بأغلبية 7 أصوات مقابل صوتين لصالح التثبيت، لكن الخبراء يترقبون انقسامًا داخليًا حادًا قد يصل إلى 5 مقابل 4؛ حيث يُتوقع أن يقود كبير الاقتصاديين في البنك معسكرًا متشددًا يطالب برفع الفائدة فورًا إلى 4% في إجراء استباقي لمواجهة قفزة التضخم المرتقبة في يوليو عند إعادة تعيين سقف أسعار الطاقة. ويرى محللون أن التباطؤ الاقتصادي وضعف سوق العمل وحالة عدم اليقين المتزايدة قد تُقنع الأعضاء الأكثر تشددًا بأن التحرك الأفضل حاليًا هو عدم التحرك على الإطلاق،
مفضلين التريث قبل اللحاق بالبنك المركزي الأوروبي الذي افتتح قطار رفع الفائدة الصيفي. وفي المقابل، يرى خبراء أن إفراط البنك في التأجيل إلى سبتمبر يحمل مخاطر إرسال إشارات خاطئة تفقد الأسواق ثقتها في قدرته على كبح الأسعار.بنك اليابانعلى الجانب الآخر من العالم، يبدو البنك المركزي الياباني مستعدًا لإحداث انعطافة تاريخية في اجتماعه الذي يختتم في 16 يونيو،
عبر رفع أسعار الفائدة القياسية من 0.75% إلى 1%، وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ 31 عامًا وتحديدًا منذ عام 1995، مدفوعًا بتسارع أسعار الجملة بنسبة 6.3% في مايو بأسرع وتيرة لها في 3 سنوات. يمثل هذا القرار تحولًا جذريًا عن السياسات التحفيزية فائقة التيسير التي ميزت العقود الماضية،
والانتقال إلى الدور التقليدي للمصارف المركزية في مكافحة التضخم. وتأتي هذه الخطوة الجريئة في ظل ظرف استثنائي؛ حيث يغيب حاكم البنك لتلقيه العلاج في المستشفى من عدوى في الكبد، ليتولى نائبه قيادة المؤتمر الصحفي وصياغة الرسالة النقدية. ويهدف البنك من هذه النبرة المتشددة إلى حماية الين الياباني الذي يترنح عند حاجز 160 ينًا مقابل الدولار،
وهو المستوى الحرج الذي يزيد من تكاليف الاستيراد ويهدد بوجوب التدخل المباشر لدعم العملة. ومع ذلك، يواجه البنك معضلة تكتيكية؛ فالرفع يضع الفائدة عند الحد الأدنى للنطاق الاسمي الحيادي للاقتصاد الياباني المقدر بين 1.1% و2.5%، وهو ما يستدعي الحذر.
ويُصنف نائب الحاكم ضمن الأعضاء الحمائم، لكنه سيحاول تبني نبرة متشددة للغاية لمنع حدوث هبوط حاد للين، في معضلة حقيقية حيث لا يريد البنك الالتزام بجدول زمني محدد للمستقبل في ظل عدم اليقين، لكن إبداء كثير من الحذر قد يضعف الين ويدفع التضخم للارتفاع.هندسة التحوط من الحربالمعركة النقدية خارج واشنطن لا تتوقف عند حدود الفائدة،
بل تمتد لهندسة أسواق الدين السيادي. فإلى جانب قرار الفائدة، يستعد بنك اليابان لمراجعة خطته لتقليص مشتريات السندات الحكومية الجارية حتى مارس من العام المقبل، ووضع خطة جديدة لما بعد ذلك.
ويدرس البنك بجدية خيار تعليق عمليات خفض شراء السندات اعتبارًا من أبريل 2027 فصاعدًا، بهدف حماية سوق السندات اليابانية وضمان استقرارها ضد أي تقلبات عنيفة أو حالة ذعر قد تصيب المستثمرين جراء ازدياد المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، لتتحول السندات إلى خط دفاع موازٍ للسياسة النقدية الجديدة.