أدلى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشهادته الأولى أمام الكونغرس، حاملاً رسالة مزدوجة للأسواق: التزام حاسم باستعادة استقرار الأسعار عبر سياسة نقدية صحيحة، وتأكيد على متانة الاقتصاد الأميركي المدعوم بطفرة استثنائية في استثمارات الذكاء الاصطناعي التي يُتوقع أن تعزز النمو والإنتاجية على المدى الطويل.تكتسب هذه الشهادة أهمية استثنائية بوصفها المناسبة الرسمية التي يعرض فيها البنك المركزي تقييمه للاقتصاد، فضلاً عن كونها فرصة للأسواق لاستخلاص إشارات حول مسار الفائدة المستقبلي.
وجاءت جلسة هذا الأسبوع أثقل وزناً لأنها الأولى لرئيس البنك المركزي منذ توليه المنصب في مايو، بعد أشهر من الجدل حول مدى استقلاليته.أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب، رسم رئيس البنك المركزي ملامح المرحلة الجديدة، واضعاً مكافحة التضخم واستقلالية المؤسسة وإصلاحها في صدارة الأولويات،
متجنباً تماماً أي إشارة إلى قرب خفض أسعار الفائدة، رغم الضغوط المتكررة. وجاء في نص الشهادة المعدة مسبقاً: "الهدف الأول هو الوصول إلى السياسة النقدية الصحيحة، وإذا نجحنا في ذلك - وسننجح - فإن موجة التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ستصبح جزءاً من الماضي".تباطؤ التضخم بين التحسن والمخاطرتزامنت التصريحات مع صدور بيانات أظهرت تباطؤ التضخم في يونيو بأكثر من توقعات الأسواق،
وهو تطور قد يخفف الضغوط على الأسر لكنه لا يحسم مسار الفائدة في ظل اضطرابات الشرق الأوسط وعودة أسعار النفط إلى الارتفاع. فقد تباطأ مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3.5% سنوياً من 4.2% في مايو، بينما كانت التوقعات تشير إلى 3.8%، كما تراجع المؤشر الشهري بنسبة 0.4% بعد ارتفاعه 0.5% في الشهر السابق.
واستقر التضخم الأساسي عند 2.6% سنوياً منخفضاً من 2.9%، دون أي زيادة شهرية.غير أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً؛ إذ انهارت الهدنة بعد تجدد الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز، وتصعيد عسكري جديد بين واشنطن وطهران، وإعلان الولايات المتحدة إعادة فرض حصار بحري على إيران،
مما أعاد أسعار النفط إلى الارتفاع. ويرى المستثمرون أن بيانات يونيو، رغم إيجابيتها، قد لا تكون كافية لتغيير مسار السياسة النقدية في ظل احتمال عودة الضغوط التضخمية.التضخم أولوية مطلقة ولا خفض للفائدةرغم ترقب الأسواق لأي إشارة إلى توقيت خفض الفائدة،
حرص رئيس البنك المركزي على توجيه النقاش نحو استعادة استقرار الأسعار، مؤكداً أن موجة التضخم منذ 2021 فرضت عبئاً ثقيلاً على الأسر والشركات، وأن التقلبات الشهرية طبيعية في عالم يشهد اضطرابات، لكن التضخم المستدام يظل نتاج السياسة النقدية.
وأكد أن أعضاء لجنة السوق المفتوحة "لا يتسامحون مع استمرار التضخم المرتفع" ويلتزمون بإعادته إلى المستهدف البالغ 2% الذي لم يتحقق منذ خمس سنوات.ولم يأتِ رئيس البنك المركزي على ذكر خفض أسعار الفائدة إطلاقاً، في مؤشر ينسجم مع موقفه خلال أول اجتماع للجنة السياسة النقدية في يونيو عندما أبقى الفائدة دون تغيير. ويمثل ذلك استمراراً للنهج المتشدد منذ توليه المنصب، رغم أن الرئيس الأميركي اختاره بعد أن أكد رغبته في رؤية رئيس أكثر ميلاً إلى خفض الفائدة.
لكنه بدا حريصاً على تأكيد أن قرارات السياسة النقدية ستبقى مبنية على البيانات الاقتصادية وليس الاعتبارات السياسية.اختبار الاستقلالية والذكاء الاصطناعيتمثل هذه الشهادة أول مواجهة مباشرة مع الكونغرس منذ تولي الرئيس الجديد منصبه في مايو. ورغم دعم الرئيس الأميركي له، فقد حافظ على أسعار الفائدة دون تغيير ولم يبدِ استعداداً للاستجابة الفورية لمطالب البيت الأبيض بخفضها، كما شكل فرق عمل ضمت شخصيات أكاديمية ومصرفية معروفة بخبرتها المهنية بعيداً عن الأسماء ذات الخلفيات الحزبية.وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي،
بدا رئيس البنك المركزي أكثر تحفظاً من موقفه السابق، معترفاً بأن مكاسب الإنتاجية قد تستغرق وقتاً. وأكد أن الاقتصاد يشهد حالياً أكبر موجة استثمار في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية والرقائق الإلكترونية، مضيفاً: "لا نعرف إلى أي مدى سيستفيد الاقتصاد من ثورة الذكاء الاصطناعي،
لكن يبدو حتمياً أن ما نسميه اليوم استثماراً في الذكاء الاصطناعي سيصبح قريباً مجرد استثمار". وأقر بأن هذه الطفرة ترفع الطلب على رأس المال والعمالة الماهرة والبنية التحتية، مما قد يولد ضغوطاً تضخمية مؤقتة قبل أن تبدأ مكاسب الإنتاجية بالظهور.مراجعة شاملة وانتظار البياناتبالتوازي مع موقفه من السياسة النقدية، أشار رئيس البنك المركزي إلى إطلاق خمس فرق عمل لإجراء مراجعة شاملة تشمل سياسات التواصل والبنية التكنولوجية والميزانية العمومية والبيانات الاقتصادية وآليات قياس التضخم،
واصفاً المبادرة بأنها بداية "فصل جديد" في تاريخ البنك المركزي. ويرى مراقبون أن هذه المراجعة قد تكون الأوسع منذ الأزمة المالية العالمية.ورغم الأهمية السياسية للشهادة، فإن الأسواق تدرك أن الاختبار الحقيقي سيكون في البيانات الاقتصادية المقبلة. فإذا استمرت معدلات التضخم مرتفعة،
خاصة مع استمرار ضغوط أسعار الطاقة واضطرابات التجارة العالمية، فقد يجد رئيس البنك المركزي نفسه مضطراً إلى الإبقاء على السياسة النقدية مشددة لفترة أطول حتى لو اصطدم ذلك برغبة الإدارة الأميركية. وإذا بدأت الضغوط السعرية بالتراجع، فقد يكتسب البنك المركزي مساحة أكبر للمناورة.
الرسالة الأساسية واضحة: استقرار الأسعار سيبقى البوصلة، واستقلالية البنك المركزي لن تكون موضع مساومة. امرأة تتسوق لشراء البقالة بمتجر في لوس أنجليس (إ.ب.أ)