تتجاوز تأثيرات العمل حدود الدخل والاستقرار المهني، لتطال جوانب أعمق تتعلق بالصحة والنمو البشري. في هذا السياق، تشير دراسة علمية جديدة إلى أن طبيعة عمل الأم،

قبل الحمل وأثناءه وحتى بعده، قد تلعب دوراً في التأثير على نمو دماغ الطفل، وربما ترتبط بزيادة احتمالية إصابته باضطراب طيف التوحد.اضطراب طيف التوحد هو اضطراب نمائي يؤثر في طريقة تواصل الأفراد وسلوكهم وتفاعلهم الاجتماعي. تأتي هذه النتائج في وقت تشهد فيه معدلات تشخيص التوحد ارتفاعاً ملحوظاً؛ إذ ارتفعت في الولايات المتحدة من حالة واحدة لكل 150 طفلاً عام 2000 إلى حالة واحدة لكل 31 طفلاً بحلول عام 2022.

كما سُجلت زيادة كبيرة بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و34 عاماً، بلغت نحو 450 في المائة بين عامي 2011 و2022.ورغم هذا الارتفاع، لا يزال العلماء غير متأكدين من الأسباب الدقيقة لاضطراب طيف التوحد، إلا أن معظم الأبحاث ترجّح تداخل عوامل وراثية وبيئية في نشأته.

وفي هذا الإطار، أشار فريق بحثي إلى أن الأمهات العاملات في وظائف مرهقة، أو تلك التي تنطوي على التعرُّض لمواد كيميائية سامَّة قد يواجهن معدلات أعلى لإنجاب أطفال مصابين بالتوحد.تفاصيل الدراسةاعتمدت الدراسة على تحليل بيانات شملت 1702 طفل شُخّصوا بالتوحد، وُلدوا بين عامي 1973 و2012،

مع مقارنتهم بأكثر من 108 آلاف طفل غير مصابين، مع مراعاة التماثل في الجنس وسنة الميلاد. وكان نحو 70 في المائة من الأطفال في كلتا المجموعتين من الذكور، فيما وُلد قرابة نصفهم خلال تسعينات القرن الماضي.قام الباحثون بفحص التاريخ الوظيفي للأمهات خلال فترات متعددة،

شملت العام الذي سبق الحمل، وفترة الحمل، ومرحلة الرضاعة المبكرة، بالاعتماد على سجلات نظام المعاشات التقاعدية الوطني،

مما أتاح تتبعاً دقيقاً لمسارات العمل. بعد ضبط النتائج وفق مجموعة من العوامل المؤثرة، مثل عمر الأم، والتدخين أثناء الحمل،

والوضع الاجتماعي والاقتصادي، والتاريخ المرضي النفسي، بدأت أنماط واضحة في الظهور.تبيَّن أن الأطفال الذين عملت أمهاتهم في الجيش أو في وظائف دفاعية أخرى لمدة تصل إلى عام قبل الحمل أو خلاله، كانوا أكثر عرضة للإصابة بالتوحد بنسبة 59 في المائة.

كما سجَّلت الدراسة زيادة بنسبة 24 في المائة في حالات التوحد بين الأطفال الذين عملت أمهاتهم في قطاع النقل البري، بينما بلغت الزيادة 59 في المائة لدى العاملات في القطاع القضائي. لوحظت هذه الارتباطات المحتملة عندما شغلت الأمهات تلك الوظائف خلال السنة التي سبقت الحمل، أو أثناء الحمل،

أو خلال فترة الرضاعة، وإن كانت هذه الروابط تميل إلى التراجع خلال الأشهر الأولى بعد الولادة.في المقابل، لم تُظهر جميع المهن ارتباطاً مماثلاً؛ إذ لم يُعثر على علاقة واضحة لدى الأمهات العاملات في القطاع الزراعي، رغم احتمال تعرضهن للمبيدات الحشرية.

كما لم تُسجل تأثيرات ملحوظة في مجالات أخرى، مثل النقل الجوي، والمعالجة الكيميائية، وخدمات التنظيف،

بعد أخذ العوامل المختلفة في الحسبان.التفسيرات المحتملةيرجّح الباحثون أن تعود هذه الفروق إلى طبيعة التعرضات في بيئات العمل؛ ففي الوظائف الدفاعية، قد يشمل الأمر التعرُّض للرصاص الناتج عن الذخائر، إضافة إلى أبخرة العادم والمذيبات الصناعية. أما في قطاع النقل،

فقد يكون للتعرض لعوادم المركبات والجسيمات الدقيقة دور محتمل. كما لفتت الدراسة إلى أن الإجهاد قد يمثل عاملاً مهماً، لا سيما في المهن ذات الضغوط العالية، مثل القطاع القضائي،

الذي يضم وظائف مرتبطة بالمحاكم والسياسات والسجون. وقد تسهم متطلبات هذه الوظائف في زيادة مستويات التعب والالتهابات خلال الحمل؛ مما قد يؤثر بدوره في نمو دماغ الجنين.