تشهد أروقة صنع القرار في الاتحاد الأوروبي انقساماً حاداً بين القادة والمسؤولين حول المدى الذي يمكن الذهاب إليه في كبح جماح شركات التكنولوجيا الكبرى. يأتي هذا الخلاف في وقت تزن فيه بروكسل قرارات مصيرية تتعلق بمنح الشركات الأوروبية وصولاً تفضيلياً لطيف الأقمار الاصطناعية المحمولة، وتقييد وصول الشركات متعددة الجنسيات إلى مناقصات الحوسبة السحابية الحساسة. تعكس هذه التحركات مساعٍ متزايدة لتعزيز السيادة التكنولوجية للقارة عبر دعم اللاعبين المحليين،

وهو توجه تغذيه المخاوف من الصعود التكنولوجي السريع للصين وهيمنة عمالقة وادي السيليكون، في وقت تشهد فيه العلاقات عبر المحيط الأطلسي حالة من عدم اليقين.رد فعل أمريكي حازمفي أول رد فعل أمريكي رسمي يعكس مخاوف واشنطن المتزايدة، أعرب وكيل وزارة الخارجية الأمريكية جيكوب هيلبرغ عن قلقه البالغ إزاء التقارير التي تتحدث عن نية الاتحاد الأوروبي فرض قيود أو غرامات جديدة على الشركات الأمريكية. كتب هيلبرغ على منصة إكس محذراً بروكسل قائلاً: «إن استهداف الشركات الأمريكية بإجراءات عقابية سيكون خطأ فادحاً من شأنه تقويض الاستثمار الخاص والنمو الاقتصادي في أوروبا.

نحن نراقب الوضع من كثب». يأتي هذا التحذير بالتزامن مع استعداد الاتحاد الأوروبي للكشف عن «قانون تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي» في 3 يونيو المقبل، عقب تأجيلات متكررة ناتجة عن الخلافات الداخلية.من المتوقع أن يقيد القانون الجديد - دون أن يحظر تماماً - وصول شركات مثل أمازون ومايكروسوفت وغوغل إلى سوق السحب الأوروبية، لا سيما في مشروعات المشتريات الحكومية الحساسة.

يذكر أن الثلاثي الأمريكي يسيطر على 63% من السوق العالمية للحوسبة السحابية: أمازون 28%، ومايكروسوفت 21%، وغوغل 14% وفقاً لبيانات متخصصة.كواليس الصراع الأوروبيتكشف كواليس النقاشات في المفوضية الأوروبية عن تباين حاد في الرؤى؛ إذ يقود مفوض الصناعة الأوروبي ستيفان سيغورني، مدعوماً بمسؤول الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس،

جبهة قوية تضغط من أجل تبني سياسة «اشترِ المنتج الأوروبي». يرى كوبيليوس أن الاحتياجات العسكرية والدفاعية تحتم منح أولوية مطلقة للاعبين الأوروبيين لتأمين المعلومات الحساسة من الاختراقات الخارجية. في المقابل، تقود مسؤولة التكنولوجيا الفنلندية في الاتحاد الأوروبي هينا فيركونين تياراً معارضاً يرى ضرورة فرض قواعد تنظيمية صارمة وواضحة على جميع الشركات بالتساوي،

بدلاً من إقصاء الشركات غير الأوروبية. يتوقع مطلعون أن تسود مقاربة فيركونين في نهاية المطاف كونها المسؤولة المباشرة عن الملف التحريري والتنفيذي لهذه القضايا.فجوة استثمارية وتداعياتأكدت رئيسة تحرير مشروع ستانفورد لمكافحة الاحتكار الحوسبي ألبا ريبيرا مارتينيز أن المشهد الجيوسياسي الحالي أثبت «الهشاشة الهيكلية» لأوروبا في حال تم عزلها فجأة عن البنية التحتية الأساسية، مستدركة بأن أوروبا تواجه معضلة تمويلية ضخمة: تحتاج إلى استثمارات هائلة للمنافسة، حيث تقدر الفجوة الاستثمارية بنحو تريليون يورو مقارنة بالولايات المتحدة.

في مسار موازٍ، تعلن بروكسل عن آلية معدلة لتخصيص طيف الترددات الخاص بخدمات الأقمار الاصطناعية المحمولة (نطاق 2 غيغاهرتز)، والمستخدم حالياً من قبل شركتي فاياسات وإيكو ستار الأمريكيتين. يهدف المقترح الأوروبي التسووي إلى حجز غالبية الترددات للشركات الأوروبية مثل أوفيتش كلاود ودويتشه تليكوم لتمهيد الطريق لدخولها عسكرياً وتجارياً،

مع ترك هامش ضيق يسمح لخدمات ستارلينك التابعة لإيلون ماسك وشبكة ليو التابعة لأمازون بالعمل. دفع ذلك رابطة صناعة الكمبيوتر والاتصالات - التي تضم غوغل وميتا وأمازون - إلى التحذير من أن «الإقصاء الشامل للشركات غير الأوروبية سيسقط السياسات الرقمية في فخ الحماية الاقتصادية ويحرم المستهلكين من خياراتهم». تطبيقات بث الموسيقى «أبل» و«سبوتيفاي» و«أمازون» و«غوغل» معروضة على جهاز آيفون (أ.ب)