لم يعد الجدل في الولايات المتحدة حول الذكاء الاصطناعي مقتصراً على التنظيم أو حماية الخصوصية أو المنافسة مع الصين، بل انتقل إلى مستوى أكثر حساسية يتمثل في ملكية الثروة الناتجة عن هذه التكنولوجيا. تصريحات الرئيس دونالد ترامب حول دراسة إمكانية حصول الحكومة الأميركية على حصص في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي تفتح ملفاً جديداً: من يملك أرباح المستقبل؟ ومن يحق له جني العوائد إذا كانت هذه التقنيات ستعيد تشكيل سوق العمل والاقتصاد والأمن القومي؟تأتي هذه الفكرة في توقيت بالغ الدلالة،

إذ تتجه شركات كبرى مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"سبيس إكس" نحو طرح أسهمها للاكتتاب العام، مما قد يخلق شركات بتقييمات تريليونية. لذا، لا يُنظر إلى النقاش كمنعطف سياسي فحسب،

بل كمحاولة لإعادة تعريف علاقة الدولة بقطاع تكنولوجي يُوصف بأنه البنية التحتية الاقتصادية والمعرفية للقرن الحادي والعشرين.تاريخياً، فضلت الولايات المتحدة ترك الابتكار للقطاع الخاص مع تدخل حكومي محدود عبر القوانين والعقود الدفاعية والدعم البحثي. لكن اقتراح امتلاك حصص مباشرة في شركات الذكاء الاصطناعي يمثل تحولاً من دور "الحكم" إلى دور "الشريك"، وهو تغيير جوهري في اقتصاد طالما قدم نفسه كنموذج للرأسمالية غير المملوكة من الدولة.هذا الاقتراح يطرح أسئلة معقدة: إذا كانت الدولة توفر البيئة القانونية والبحث الأساسي والعقود الحكومية والحماية الأمنية،

فمن المنطقي أن يحصل المواطنون على نصيب من الأرباح. لكن من ناحية أخرى، دخول الحكومة في ملكية شركات تنتج أدوات معرفة واتصال وتحليل وسلاح محتمل يثير مخاوف من تضارب المصالح وتداخل غير صحي بين السلطة السياسية وقوة الخوارزميات.قلق اجتماعي يتجاوز الانقسام الحزبيالذكاء الاصطناعي يعد بنمو اقتصادي هائل، لكنه يثير خوفاً واسعاً من فقدان الوظائف واتساع الفجوة بين من يملكون رأس المال ومن يبيعون عملهم.

لذا تبدو فكرة "الصندوق العام" أو "الثروة العامة" محاولة سياسية لامتصاص هذا القلق. وفي هذا السياق، تبرز مفارقة: ترامب والسيناتور اليساري بيرني ساندرز والرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي" سام ألتمان يلتقون عند سؤال واحد: هل ينبغي أن يحصل الجمهور على حصة مباشرة من أرباح الذكاء الاصطناعي؟يدفع ساندرز باتجاه صندوق سيادي أميركي يحصل على حصة كبيرة من أسهم الشركات الكبرى، بينما يطرح ألتمان تصوراً أقل صدامية يقوم على مساهمة جزئية من الشركات لصالح صندوق عام.

هذا التقاطع لا يعني إجماعاً، بل يكشف أن القلق من آثار الذكاء الاصطناعي تجاوز الانقسام الحزبي: اليمين يخشى الرقابة والبيروقراطية، واليسار يخشى ترك ثروة تريليونية في يد قلة من المساهمين.الأمن القومي يزاحم الاقتصاديتحرك البيت الأبيض أيضاً نحو آلية تمنح الحكومة فرصة مبكرة للاطلاع الطوعي على نماذج الذكاء الاصطناعي القوية قبل انتشارها، لاختبار أخطار الأمن السيبراني وسوء الاستخدام.

وهذا يوضح أن واشنطن لا ترى الذكاء الاصطناعي مجرد محرك للنمو، بل ساحة أمن قومي. النماذج المتقدمة يمكن أن تساعد في الدفاع السيبراني، لكنها قد تسهل أيضاً تطوير هجمات إلكترونية أو أسلحة أو نشر تضليل واسع النطاق.لذا يصبح سؤال الملكية متداخلاً مع سؤال السيطرة والمساءلة: هل امتلاك الدولة حصة يجعلها أكثر قدرة على توجيه التكنولوجيا نحو المصلحة العامة؟

أم يفتح باباً لاستخدام النفوذ الحكومي للضغط على الشركات؟ هذا التحذير يردده منتقدون في وادي السيليكون يرون أن "تأميم" جزء من الذكاء الاصطناعي قد يسرع اندماج السلطة الحكومية مع قوة الشركات.غير أن المدافعين عن الفكرة يردون بأن البديل ليس سوقاً حرة مثالية، بل شركات عملاقة تملك موارد وبيانات قد تتجاوز قدرة الحكومات نفسها. ويشير بعض المحللين إلى أن أكبر تحدٍ هو تصميم الآلية: هل ستكون الحصة إلزامية أم طوعية؟

هل توضع في صندوق مستقل؟ هل يحصل المواطنون على عوائد مباشرة؟ هل تمتلك الحكومة مقاعد في مجالس الإدارة؟ الإجابات ستحدد ما إذا كانت الفكرة ستبدو شراكة مع الجمهور أم تدخلاً حكومياً واسعاً في قلب الاقتصاد الرقمي.

ترمب يتحدث بينما يستمع رواد شركات التكنولوجيا الأميركية في البيت الأبيض (البيت الأبيض) جانب من اجتماع ترمب مع رواد شركات التكنولوجيا الأميركية (البيت الأبيض)