أعادت الحرب المندلعة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من 39 شهراً تشكيل البنية الطبقية بصورة سريعة وعميقة، ففقدت فئات واسعة مصادر دخلها واستقرارها، بينما ظهرت في المقابل أنماط جديدة من الصعود الاقتصادي المرتبط بظروف الحرب. هذا التحول لم يكُن مجرد تغير موقت،

بل أفرز واقعاً اجتماعياً مختلفاً تتداخل فيه عوامل النزوح وانهيار المؤسسات وصعود اقتصاد غير رسمي، مما أدى إلى إعادة توزيع الفرص والثروة بصورة غير متوازنة، مع آثار ممتدة على مستقبل المجتمع السوداني. طبقة متآكلة شهدت الطبقة الوسطى في السودان تراجعاً حاداً خلال فترة الحرب نتيجة فقدان الوظائف النظامية وتوقف الأنشطة الاقتصادية المنظمة وتآكل القوة الشرائية بفعل التضخم،

إذ وجدت هذه الفئة التي كانت تمثل عماد الاستقرار الاجتماعي نفسها أمام واقع جديد يتسم بعدم اليقين، ولم تعُد الرواتب الثابتة أو الوظائف الحكومية توفر الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي. يقول المحلل الاقتصادي سامي عبدالرحمن إن "الحرب أدت إلى تفكيك البنية التقليدية للطبقة الوسطى التي كانت تعتمد على دخل مستقر من القطاعين العام والخاص. ومع توقف هذه القطاعات اضطرت شريحة واسعة من الموظفين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة،

غالباً في الاقتصاد غير الرسمي أو عبر أعمال موقتة لا توفر استقراراً". لم تعُد الرواتب الثابتة أو الوظائف الحكومية توفر الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي (أ ف ب) وأضاف أن "التحول لم يكُن فقط في مستوى الدخل بل في نمط الحياة، إذ تراجعت القدرة على الإنفاق على التعليم الخاص والرعاية الصحية والسكن اللائق، وهي مؤشرات أساسية لوجود طبقة وسطى مستقرة".

ونوه إلى أن "النزوح الداخلي قام بدور إضافي في هذا التراجع، إذ فقد كثرٌ ممتلكاتهم أو اضطروا إلى تركها، مما أدى إلى تآكل رأس المال الشخصي.

كما أن انقطاع الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه في بعض المناطق دفع الأسر إلى تحمل كلف إضافية، مما زاد من الضغوط الاقتصادية". ويرى عبدالرحمن أن "استمرار هذا الوضع لفترة طويلة قد يؤدي إلى اختفاء فعلي للطبقة الوسطى بصورتها التقليدية، واستبدالها بتركيبة أكثر هشاشة تعتمد على مصادر دخل غير مستقرة".

صعود بديل في مقابل تراجع فئات واسعة، برزت مجموعات استطاعت تحقيق نوع من الصعود الاقتصادي النسبي، مستفيدة من التحولات التي فرضتها الحرب، خصوصاً في مجالات التجارة غير الرسمية والخدمات المرتبطة بالأزمات وكذلك العمل الرقمي.

ويؤكد الباحث في الاقتصاد الاجتماعي خالد محمد أن الحروب تخلق دائماً اقتصاداً موازياً، وفي السودان ظهر ذلك بوضوح من خلال توسع أنشطة مثل تجارة السلع الأساسية وخدمات النقل وتحويل الأموال، إضافة إلى العمل عبر الإنترنت، مما وفر فرصاً لفئات لم تكُن تمتلك سابقاً موقعاً اقتصادياً قوياً،

لكنها تمكنت من التكيف بسرعة مع الواقع الجديد. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتابع أن "بعض الشباب على سبيل المثال انتقلوا إلى العمل الحر عبر الإنترنت، سواء في التصميم أو البرمجة أو التسويق الرقمي، مما أتاح لهم دخلاً بالعملة الصعبة،

ومنحهم ميزة نسبية مقارنة بمن يعتمدون على الاقتصاد المحلي المتأثر بشدة"، مشيراً إلى أن تجاراً صغاراً تمكنوا من توسيع نشاطهم، مستفيدين من نقص السلع وارتفاع الطلب، على رغم الأخطار المرتبطة بعدم الاستقرار".

ومضى في القول "لكن هذا الصعود يبقى هشاً وغير مستدام في كثير من الحالات لأنه يعتمد على ظروف استثنائية، كما أنه لا يعكس نمواً اقتصادياً حقيقياً بل إعادة توزيع للفرص في بيئة غير مستقرة. وغياب التنظيم والرقابة يجعل هذه الأنشطة عرضة للتقلبات، مما يعني أن الفئات الصاعدة اليوم قد تواجه تراجعاً سريعاً إذا تغيرت الظروف".

فجوة متسعة أدت التحولات الاقتصادية المرتبطة بالحرب إلى اتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، إذ أصبح التفاوت في الدخل والقدرة على الوصول إلى الموارد أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. ويوضح أستاذ علم الاجتماع حسن إبراهيم أن "ما يحدث في السودان ليس مجرد تغير في مستويات الدخل، بل إعادة تشكيل للعلاقات الاجتماعية نفسها.

فالفجوة بين من يمتلكون مصادر دخل مستقرة أو بديلة ومن فقدوا كل شيء أصبحت أوسع، مما يخلق توترات اجتماعية محتملة". بعض الشباب انتقلوا إلى العمل الحر عبر الإنترنت مما أتاح لهم دخلاً بالعملة الصعبة (أ ف ب)​​​​​​​ وأردف أن "هذه الفجوة لا تظهر فقط في القدرة الشرائية، بل في الوصول إلى الخدمات مثل التعليم والصحة،

إذ أصبحت هذه الخدمات مرتبطة بصورة متزايدة بالقدرة المالية"، مشيراً إلى أن "التحويلات المالية من الخارج قامت بدور في تعميق هذا التفاوت، إذ تمكنت بعض الأسر من الصمود بفضل الدعم الخارجي، بينما بقيت أسر أخرى من دون أي مصدر دعم،

مما أدى إلى تفاوت واضح في مستويات المعيشة. كما أن الاختلاف في فرص العمل، بخاصة بين من تمكنوا من دخول مجالات جديدة مثل العمل الرقمي ومن بقوا في قطاعات متضررة، أسهم في تعزيز هذه الفجوة".

ورجح إبراهيم أن "يؤدي استمرار هذا الوضع إلى ترسيخ طبقات اجتماعية جديدة قائمة على عدم المساواة الذي ستصعب معالجته لاحقاً من دون تدخلات اقتصادية واجتماعية شاملة"، مؤكداً أن "إعادة بناء النسيج الاجتماعي تتطلب سياسات تستهدف تقليص هذه الفجوة، وليس فقط معالجة آثار الحرب المباشرة". مسارات جديدة وتفتح التحولات الحالية الباب أمام إعادة تشكيل طويلة المدى للبنية الاجتماعية في السودان،

إذ قد تستمر بعض الأنماط الجديدة حتى بعد انتهاء الحرب. ويشير المتخصص في السياسات الاقتصادية أشرف عبدالعال إلى أن "ما نشهده اليوم قد يكون بداية لتحول هيكلي في الاقتصاد السوداني، إذ يتراجع الاعتماد على الوظائف التقليدية لمصلحة أنماط أكثر مرونة مثل العمل الحر والاقتصاد غير الرسمي". وتابع أن "هذا التحول قد يحمل فرصاً،

ولكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بالحماية الاجتماعية والاستقرار الوظيفي"، موضحاً أن إعادة الإعمار، إذا تمت بصورة منظمة، يمكن أن تسهم في إعادة التوازن الطبقي من خلال خلق فرص عمل وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية.

لكن غياب التخطيط قد يؤدي إلى ترسيخ الاختلالات الحالية"، وشدد على أن الدور الحكومي سيكون حاسماً في تحديد اتجاه هذه التحولات، سواء من خلال السياسات الاقتصادية أو برامج الدعم الاجتماعي.