قفزت أسعار البضائع عند أبواب المصانع في الصين للشهر الثالث على التوالي خلال مايو، مسجلة أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات، بينما استقرت أسعار المستهلكين عند مستويات مرتفعة. يأتي هذا الصعود الحاد في وقت ألقت فيه أسعار الطاقة العالمية وضغوط التكاليف المتصاعدة جراء الحرب في الخليج بظلالها على الشركات المصنعة،
في حين وفر الطلب العالمي المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي صمام أمان لقطاعات التقنية المتقدمة.أظهرت البيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في بكين أن مؤشر أسعار المنتجين ارتفع بنسبة 3.9% على أساس سنوي، متجاوزًا توقعات الأسواق البالغة 3.8%، ومقارنة بزيادة قدرها 2.8% في أبريل. أسهمت الصدمة السعرية الناجمة عن الحرب المستعرة منذ أواخر فبراير،
والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، في إخراج أسعار المنتجين في الصين من دائرة الانكماش التي استمرت لسنوات؛ حيث تحول المؤشر السنوي إلى النطاق الإيجابي في مارس للمرة الأولى منذ سبتمبر 2022.تباين تنظيمي بين الذكاء الاصطناعي والقطاعات التقليديةفي القراءة التحليلية للمشهد، أشار كبير اقتصاديي وحدة "إيكونوميست إنتليجنس" إلى وجود تباين واضح في القدرة على مواجهة ضغوط تكاليف المدخلات؛ حيث تملك الشركات العاملة في قطاعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة، التي تشهد طلبًا صلبًا،
القدرة على تمرير زيادة التكاليف إلى المستهلك النهائي بل وفرض هوامش أرباح إضافية، وهو ما لا ينطبق على الصناعات التقليدية مثل قطاع السيارات. وعزا مكتب الإحصاء هذا الصعود إلى تنامي الطلب على قدرات الحوسبة الفائقة، مما رفع أسعار صهر وتشكيل المعادن غير الحديدية ومعدات الإلكترونيات،
برغم تباطؤ النمو الشهري للمؤشر إلى 0.5% مقارنة بـ1.7% في أبريل.وحذر الخبراء من أن استمرار حرب الخليج قد يضغط على أرباح الشركات غير التقنية ويكبح الاستهلاك المحلي، خاصة مع اتساع الفجوة بين العرض والطلب؛ حيث يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة إلى إضعاف رغبة الأسر في الإنفاق غير الضروري، مما يضع صانعي السياسة الصينيين أمام تحديات حرجية لدعم سوق العمل وتحفيز الطلب المحلي اللين.أسعار المستهلكين ومخاوف الأجورعلى صعيد تضخم المستهلكين، سجل مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعًا بنسبة 1.2% على أساس سنوي في مايو،
بدفع رئيسي من قفزة أسعار البنزين والمجوهرات الذهبية وقطاع الخدمات، ليطابق قراءة أبريل، وإن جاء دون توقعات المحللين البالغة 1.3%. وفي حين تراجعت أسعار الأغذية بنسبة 1.7% مع هبوط أسعار لحوم الخنزير بـ16.1%،
سجلت أسعار البنزين المحلية قفزة نوعية بنسبة 23.5% على أساس سنوي برغم تراجعها الطفيف على أساس شهري بنسبة 0.1%.أوضح كبير اقتصاديي الصين الكبرى في بنك "إي إن جي" أن تراجع أسعار الغذاء والعقارات يمنع التضخم الرئيسي من تسجيل قفزات غير منضبطة في الوقت الحالي، مؤكدًا أن الاقتصاد الصيني يتحرك تدريجيًا من بيئة الانكماش نحو بيئة تضخم منخفض. واستبعد أن تؤدي قوة الأسعار الحالية إلى زيادة الأجور، نظرًا لارتفاع معدلات البطالة بين الشباب ومخاوف العمال بشأن الأمان الوظيفي في ظل الطفرة المتسارعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.دفعت هذه التطورات محللي مؤسسة "إيه إن زد" إلى رفع توقعاتهم لمؤشر أسعار المنتجين للعام الحالي بأكمله إلى 2% بدلاً من 0.8%،
مع الإبقاء على تقديرات أسعار المستهلكين عند 1.2%. وأظهرت بيانات "أويل كيم" تراجع استهلاك البنزين والديزل في الصين بنسبة 13% في مايو إثر قرار بكين رفع أسعار التجزئة للديزل، بالتزامن مع تراجع حاد في مبيعات السيارات المحلية بنسبة 22.3%. وأكد كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في "كابيتال إيكونوميكس" أن اتجاه التضخم يظل رهناً بالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأسواق الطاقة،
مرجحًا تراجع ضغوط أسعار المستهلكين بمجرد الانحسار التدريجي للاضطرابات في الإمدادات.