بدأت الأسواق العقارية السعودية تسجيل مؤشرات واضحة على تراجع الضغوط التضخمية، مدفوعة بحزمة من الإجراءات الحكومية التنظيمية والتنفيذية التي استهدفت زيادة المعروض، والحد من الاكتناز، وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

ويأتي هذا التحول الهيكلي ليعكس مساعي المملكة المستمرة لإعادة تشكيل القطاع العقاري وتعزيز استقراره ضمن مستهدفات الرؤية الوطنية.وبلغ تراجع التضخم العقاري إلى سالب 0.7% في الربع الرابع من 2025، مقارنة بـ3.6% في الفترة نفسها من 2024، مدعوماً بالتدخلات الحكومية الرامية إلى رفع كفاءة السوق. واستمرت وتيرة التراجع خلال الربع الأول من 2026،

حيث انخفض الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6% على أساس سنوي، مدفوعاً بتراجع أسعار القطاع السكني بنسبة 3.6%، بينما سجل القطاع التجاري نمواً سنوياً بلغ 3.4%.إصلاحات هيكلية تعيد التوازنجاء هذا التصحيح السعري بالتزامن مع سلسلة من التدخلات الحكومية التي استهدفت معالجة اختلالات السوق، وفي مقدمتها نقص المعروض وارتفاع المضاربات.

وسمحت الحكومة بالبيع والشراء والتطوير في أربع مناطق شمال الرياض بمساحة تتجاوز 81 كيلومتراً مربعاً، ضمن خطة تستهدف توفير ما يصل إلى 40 ألف قطعة أرض سنوياً للمواطنين خلال السنوات الخمس المقبلة، بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.ويرى خبراء أن الإصلاحات الأخيرة نقلت السوق من مرحلة النمو السعري العشوائي إلى مرحلة أكثر توازناً واستدامة، حيث بدأت زيادة المعروض وتنظيم الإيجارات والحد من الاحتفاظ غير المنتج بالأراضي تنعكس فعلياً على سلوك السوق،

خصوصاً في المدن ذات الطلب المرتفع. كما أدى فرض الرسوم على الأراضي والعقارات الشاغرة إلى دفع الملاك غير النشطين للتطوير أو البيع أو التأجير، مما قلّص المضاربات ورفع كفاءة استخدام الأصول العقارية.وتشير التوقعات إلى استمرار ظهور مفاعيل هذه القرارات بشكل أوضح خلال 12-18 شهراً، من خلال كبح جماح الطلب غير الحقيقي وزيادة المعروض الفعلي.تضييق الخناق على الأراضي البيضاءصعّدت الحكومة إجراءاتها تجاه الأراضي غير المطورة برفع الرسوم على الأراضي البيضاء إلى 10% سنوياً بدلاً من 2.5%،

وأدرجت العقارات الشاغرة للمرة الأولى ضمن نطاق الرسوم على الأراضي والمباني التي تتجاوز مساحتها 5 آلاف متر مربع. ويهدف ذلك إلى تقليص جدوى الاكتناز والدفع بمزيد من الوحدات إلى السوق.وكانت المضاربات تتركز بشكل رئيسي في الأراضي الواقعة ضمن المخططات الطرفية، خصوصاً في الرياض. ويمثل رفع رسوم الأراضي البيضاء،

إلى جانب الرسائل الحكومية الواضحة بأن الأراضي لم تعد أداة للمضاربة بل للتطوير، نقطة تحول في سلوك المستثمرين. كما ستسهم رسوم العقارات الشاغرة في الحد من المضاربات على المنتجات السكنية، خصوصاً الشقق،

عبر دفع الملاك إلى تشغيل الأصول غير المستغلة.وبدأت السوق العقارية التفاعل مع الاعتماد الرسمي للائحة التنفيذية للرسوم السنوية على العقارات الشاغرة من وزارة البلديات والإسكان، التي أقرت تطبيق رسوم تصل إلى 5% من قيمة المبنى غير المستغل داخل النطاق العمراني المعتمد، مما يرفع كفاءة استغلال الأصول العقارية ويحفز نمو المعروض داخل المدن.تجميد الإيجاراتامتدت السياسات التنظيمية لتشمل سوق الإيجارات، حيث وافق مجلس الوزراء السعودي على تجميد أي زيادات سنوية في الإيجارات لمدة خمس سنوات داخل نطاق العاصمة الرياض،

سواء في العقود القائمة أو الجديدة، لضمان استقرار السوق السكنية والتجارية. وقد غيّر هذا القرار سلوك المستثمرين للتركيز على التطوير والتشغيل وتحقيق العوائد المستدامة بدلاً من انتظار الارتفاعات السعرية المفتعلة.ويرى خبراء أن تجميد زيادات الإيجارات في الرياض بعث برسالة واضحة بأن السوق تتجه إلى ضبط التضخم وتحقيق توازن أكبر بين المالك والمستأجر. كما ستقود القرارات التنظيمية الأخيرة إلى إعادة تموضع للمطورين والمستثمرين داخل السوق،

عبر توجيه الاستثمارات نحو زيادة المعروض واستغلال الفرص الجديدة.الشفافية والبنية التحتيةعلى الصعيدين التنظيمي والرقمي، حققت السوق قفزات ملموسة في البنية التحتية؛ إذ تجاوزت الوحدات المعلنة في نظام التسجيل العيني للعقار 4 ملايين عقار حتى نهاية 2025، إلى جانب إصدار أكثر من 1.2 مليون صك عقاري مطوّر. كما وثّق أكثر من 3.2 مليون عقد إيجار عبر منصة إيجار،

وارتفع عدد الوسطاء المرخصين ليتجاوز 106 آلاف ممارس.وتعكس هذه الأرقام قفزة في مستويات الشفافية، وتقليصاً للاجتهادات الفردية بفضل وضوح البيانات. كما يشير تقدم المملكة 11 مرتبة عالمياً في مؤشرات الشفافية العقارية الدولية إلى تعزيز جاذبية القطاع لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.التمويل العقاري والمعروضكشفت البيانات استمرار نمو محفظة التمويل العقاري للأفراد، حيث قفز إجمالي القروض العقارية القائمة للأفراد إلى 904 مليارات ريال بنهاية 2025،

مقارنة بنحو 420 مليار ريال في 2020. ورغم هذا الارتفاع الضخم، لم تعد السوق تتحرك بدافع التمويل فحسب، بل أصبحت أكثر تأثراً بمحددات المعروض والأنظمة وجودة المنتج،

مما يفسر تراجع الأسعار السكنية تزامناً مع توسع الإقراض.فالتمويل كان سابقاً يغذي الأسعار نظراً لمحدودية الخيارات، بينما أسهم تنامي المعروض الحالي في خلق معادلة متوازنة وعادلة بين العرض والطلب.أفق مستقر وجاذبية دوليةأثمرت هذه التحولات الهيكلية الشاملة عن رفع عدد الأسر السعودية التي تملكت مساكنها إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية 2025، مقارنة بنحو 63 ألف أسرة فقط في 2019. وفي استشراف للمستقبل،

من المتوقع أن تتجه السوق العقارية السعودية إلى مرحلة استقرار طويلة الأجل قائمة على النضج والبيانات، وليس مجرد تصحيح مؤقت، مع احتمال استمرار تراجع قيم المنتجات التي تجاوزت أسعارها العادلة.وقد صاغت المنظومة الجديدة خريطة استثمارية مبتكرة تبدلت فيها أدوات الاستثمار العقاري بشكل جذري، مؤهلةً السوق السعودية لتكون واحدة من أبرز الوجهات الإقليمية والدولية الجاذبة للاستثمار الاستراتيجي المستدام.

أحد مشروعات «الشركة الوطنية للإسكان» في جدة (الشركة) شقق سكنية في «كافد» بالعاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني)