في مدينة منهكة جراء الحرب وتراجع الخدمات، لا تُعد مشاريع التجميل والتشجير مجرد تحسين بصري، بل محاولة لإعادة تعريف الفضاء العام واستعادة الإحساس بالحياة. أعلنت محلية الخرطوم عن برنامج لتطوير شارع النيل،

أبرز شرايين العاصمة، وزيادة الرقعة الخضراء، في مسعى لإعادة التأهيل واستعادة النضارة الجمالية. لكن هذا التوجه يثير تساؤلات عميقة حول الأولويات والقدرة على التنفيذ والاستدامة في ظل أوضاع اقتصادية وخدمية معقدة.بنية متهالكةيرى عبد المنعم أحمد،

مهندس متخصص في البنية التحتية، أن أي مشروع تجميل حضري لا يمكن أن ينجح من دون قاعدة خدمية صلبة. وأشار إلى أن أكثر من 60% من شبكات الري في وسط الخرطوم تعرضت لأعطال أو توقفت كلياً بسبب غياب الصيانة وانقطاع الكهرباء. وأضاف أن إعادة تشغيل هذه الشبكات لا تتطلب إصلاحات فنية فحسب،

بل تحتاج إلى استقرار في الإمداد الكهربائي والمائي، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً. وأوضح أن كثيراً من مشاريع التشجير السابقة فشلت لاعتمادها على حلول موقتة كالري اليدوي أو استخدام مصادر مياه غير مستدامة، مشدداً على ضرورة البدء بإعادة تأهيل الشبكات الأرضية قبل التفكير في الزراعة أو التجميل،

واستخدام تقنيات حديثة كالأنظمة الذكية لتقليل الفاقد. وأكد أن التحدي الأكبر يكمن في الاستمرارية، إذ يؤدي غياب خطط الصيانة إلى تدهور سريع، داعياً إلى تخصيص موازنة مستقلة للصيانة وعدم الاكتفاء بالتمويل الإنشائي.تمويل محدودتشكل الموارد المالية أحد أبرز التحديات أمام تنفيذ مشاريع التجميل،

في ظل اقتصاد يعاني التضخم وتراجع الإيرادات. يقول المحلل الاقتصادي السر سليمان إن تكلفة إعادة تأهيل شارع النيل، بما يشمل التشجير والإنارة وصيانة البنية التحتية، قد تصل إلى ملايين الدولارات إذا نُفذت وفق معايير حديثة.

ويشير إلى أن الحكومات المحلية في السودان تعاني ضعف الإيرادات الذاتية وتعتمد على التحويلات المركزية المتأثرة بالأوضاع الاقتصادية. ويضيف أن أي مشروع تجميل يجب أن يُنظر إليه كاستثمار طويل الأمد، لا مجرد إنفاق تجميلي، خاصة إذا رُبط بالسياحة أو الخدمات.

ويدعو إلى إشراك القطاع الخاص عبر نماذج الشراكة، وفرض رسوم رمزية على الأنشطة التجارية في المناطق المطورة، مع ضرورة تحديد أولويات واضحة بحيث لا تأتي مشاريع التجميل على حساب الخدمات الأساسية كالمياه والصرف الصحي.فجوة خدماتلا تزال مشكلات المياه والكهرباء والنفايات قائمة في أحياء كثيرة من الخرطوم، مما يجعل الحديث عن التجميل بعيداً عن أولويات السكان.

يقول أبو بكر أشرف، المتخصص في التخطيط الحضري، إن نجاح أي مشروع تجميلي مرتبط بمدى انسجامه مع حاجات السكان اليومية، مشيراً إلى أن أكثر من 40% من أحياء الخرطوم تعاني انقطاعات منتظمة في المياه أو الكهرباء.

ويضيف أن المدن التي نجحت في تحسين مظهرها بدأت بمعالجة الخدمات الأساسية ثم انتقلت إلى التجميل، وليس العكس. وينبه إلى أن التركيز على مناطق مركزية فقط قد يعمق الفجوة بين المركز والأطراف ويخلق شعوراً بعدم العدالة، داعياً إلى اعتماد خطة شاملة تشمل الأحياء المختلفة،

وأن يكون التجميل جزءاً من رؤية حضرية متكاملة ترتبط بالنقل والخدمات والمساحات العامة.استدامة غائبةيكشف تاريخ مشاريع التجميل في الخرطوم عن نمط متكرر من البداية القوية والانتهاء السريع بسبب غياب خطط الاستدامة. تؤكد آلاء عيسى، الخبيرة في إدارة المشاريع، أن كثيراً من المبادرات الحكومية تبدأ بزخم كبير لكنها تفقد استمراريتها لضعف المتابعة وغياب مؤشرات الأداء.

وترى أن اشتراط رفع تقارير يومية خطوة إيجابية لكنها غير كافية دون آليات تقييم واضحة وربط الأداء بالمساءلة. وتشدد على أن الاستدامة تتطلب نظاماً إدارياً متكاملاً يشمل التشغيل والصيانة والرقابة، مع إشراك المجتمع المحلي لتعزيز الإحساس بالملكية. وتقترح استخدام مواد وتقنيات مناسبة للبيئة المحلية لتقليل تكاليف الصيانة،

مثل اختيار نباتات تتحمل المناخ وتقليل الاعتماد على المياه، وإنشاء وحدات صغيرة لإدارة المساحات الخضراء في كل قطاع. وتختتم بالقول إن نجاح المشروع لن يُبلغ بلحظة الافتتاح، بل بقدرته على الصمود بعد عام أو عامين،

وهو الاختبار الحقيقي في بيئة معقدة كالخرطوم.