بعد أكثر من ثلاثة أشهر ونصف من الشلل التام الذي جمّد حركة التجارة في أحد أخطر الممرات المائية عالمياً، عاد الأمل للاقتصاد العالمي عقب إعلان الرئيس الأميركي التوصل إلى اتفاق سلام أولي مع طهران، يقضي بإنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق فوراً. وجاءت كلماته الحماسية عبر منصته الرقمية: «يا سفن العالم،
شغّلي محركاتك... ودعي النفط يتدفق!»، لتكون ضوءاً أخضر طال انتظاره لأسواق المال والطاقة التي عانت من ارتدادات عنيفة منذ اندلاع الصراع في فبراير الماضي.ومع تحديد الجمعة المقبل موعداً للتوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم في سويسرا، بدأت الأسواق العالمية تسعير الانفراجة الجيوسياسية فوراً؛ إذ هبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة تجاوزت 4.5% لتستقر دون 84 دولاراً للبرميل،
مسجلة أدنى مستوياتها منذ أيام الحرب الأولى في مارس، بينما قفزت مؤشرات الأسهم الآسيوية في طوكيو وسيول بنحو 5%، واستعادت سوق العملات المشفرة زخمها مع تجاوز البيتكوين 65600 دولار.آسيا... الرابح الأكبرتُمثل إعادة فتح المضيق طوق نجاة عاجل لمنطقة آسيا التي تحملت العبء الأكبر من التداعيات الاقتصادية بسبب اعتمادها الهائل على إمدادات الطاقة الخليجية؛ حيث تتجه عادة أكثر من 80% من كميات النفط والغاز الطبيعي المسال التي تعبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية.
وخلال أشهر الحرب، هوت العملات الآسيوية وتفاقم التضخم، وضغطت أزمة النقص الحاد في المعروض المادي للطاقة على التوقعات الاقتصادية لدول نامية مثل باكستان وفيتنام والفلبين، التي اضطرت الأخيرة لإعلان حالة الطوارئ الوطنية في قطاع الطاقة.
حتى القوى الصناعية الكبرى ذات الاحتياطيات العميقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، عانت من ضغوط غير مسبوقة على عملاتها الوطنية جراء فواتير الاستيراد المتضخمة. ورحب قادة المنطقة بالاتفاق، حيث وصفته رئيسة الوزراء اليابانية بأنه «خطوة كبرى نحو الحل»،
معربة عن أملها في ضمان ملاحة حرة وآمنة فعلياً في المضيق، وهو ما أيّده رئيس الوزراء الأسترالي معتبراً استعادة هذا الممر الحيوي أمراً أساسياً لتخفيف الضغوط عن الاقتصادات الإقليمية.الأثر يمتد لنهاية العامرغم التفاؤل المفرط الذي ساد الأسواق، يرفع خبراء الاقتصاد ومحللو قطاع الطاقة راية الحذر؛ مؤكدين أن عودة التدفقات التجارية لطبيعتها ستستغرق أسابيع أو ربما أشهراً. ويشير محللون إلى أن النبأ السار يتمثل في عودة تدفق النفط والغاز فور فتح المضيق،
لكن النبأ السيئ هو أن كل يوم قضاه المضيق مغلقاً ضاعف من حجم الأضرار الهيكلية وأدى لتفشي الاضطرابات عميقاً في قطاع اللوجستيات. وتبرز أزمة الغاز الطبيعي المسال كإحدى أكثر القضايا تعقيداً؛ فأسعار الغاز في آسيا ترتبط عادة بأسعار النفط مع فجوة زمنية تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر، مما يعني أن أسعار النفط المرتفعة التي بلغت 100 دولار في مارس لن تنعكس بالكامل على أسواق الغاز إلا خلال الأشهر المقبلة، وبالتالي ستبقى أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء مرتفعة ومؤرقة للمستهلكين حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير.الأسمدة والبتروكيميائياتلا تتوقف أهمية مضيق هرمز عند حدود براميل النفط،
بل تمتد إلى سلع استراتيجية تدير عصب الحياة اليومية. وتعد دول الخليج مصدراً لأكثر من ثلث المعروض العالمي من سماد «اليوريا»، المكون الأساسي للأسمدة النيتروجينية. وقد تسبب إغلاق المضيق في إفساد ذروة موسم الزراعة في جنوب شرق آسيا الممتد من مايو إلى يوليو.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن هذا الخلل سيهدد الأمن الغذائي العالمي، ولن تظهر الآثار الحادة لانخفاض إنتاجية المحاصيل إلا في وقت لاحق من هذا العام. على الجانب الصناعي، واجهت المصانع في اليابان وكوريا الجنوبية نقصاً حاداً في «النافتا» - وهو مشتق نفطي حيوي لصناعة البلاستيك وتغليف المواد الغذائية - إلى جانب شح إمدادات الهيليوم الضروري لإنتاج أشباه الموصلات.
ويشبه خبراء تضرر سلاسل الإمداد بـ«الشعيرات الدموية التي تم تدميرها وتتطلب وقتاً طويلاً للشفاء»، مؤكدين أن الأمر لن يكون ببساطة استئناف الاستيراد، بل سيتطلب عاماً كاملاً لتستعيد الشركات الصغيرة قدراتها الإنتاجية.الهند: انتعاش مرتقب وفاتورة أقلبالنسبة للهند - التي تصنف كواحدة من أكبر مستوردي الخام في العالم - يمثل الاتفاق انفراجة مالية ضخمة؛ إذ سيسهم العبور الآمن لناقلات النفط والغاز من الموردين الرئيسيين في خفض تكاليف الشحن الفلكية وأقساط تأمين المخاطر التي فرضتها شركات الملاحة الدولية. ومن أبرز ملامح هذا التراجع المباشر،
عبور ناقلة الغاز الطبيعي المسال المحملة بشحنة قطرية للمضيق متجهة شرقاً نحو محطة داهيج الهندية بعد أن ظلت محتجزة غرب المضيق منذ مطلع مارس. وينعكس كل تراجع مستدام في أسعار النفط إيجابياً على موازنة الهند؛ حيث يسهم في تقليص فاتورة الواردات الضخمة، ودعم استقرار الروبية، وتضييق عجز الحساب الجاري،
فضلاً عن كبح جماح التضخم المحلي. وستمتد هذه المنافع لتنعش قطاعات الطيران، والبتروكيماويات، والأسمدة،
واللوجستيات التي تكبدت خسائر فصلية فادحة تعادل أرباح عام كامل بسبب تكاليف الوقود المرتفعة.مخاوف ومستقبل غامضيبقى التفاؤل الحالي مشروطاً باستقرار المشهد الجيوسياسي وعدم تجدد الصراع في الشرق الأوسط، خصوصاً مع وجود تفاصيل شائكة لم تعلن بعد حول من سيتولى إدارة الملاحة في المضيق. فقد أشارت تقارير إلى أن حركة المرور ستخضع لتنظيم مشترك بين طهران وسلطنة عمان، وهي خطوة قد تثير حفيظة واشنطن التي يعتبر رئيسها حرية الملاحة حجر الزاوية للاتفاق.
يضاف إلى ذلك أن الاتفاق الحالي يطلق مهلة 60 يوماً فقط للتفاوض بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، مما يضفي صبغة «مؤقتة» على المشهد. ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية، حتى وإن انتهت بفتح المضيق،
قد سرّعت بشكل غير قابل للتراجع استراتيجيات الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء لتنويع طرق التجارة ومصادر الطاقة، لكي لا يقع الاقتصاد العالمي مجدداً رهينة لـ«ممر الثلاثين كيلومتراً».