لم يعد السؤال في الأسواق المالية العالمية مقتصراً على توقيت تدخل اليابان لدعم عملتها، بل تحول إلى مدى قدرة هذا التدخل على تغيير مسار الين. فبعد أن تجاوز الدولار مستوى 162 يناً، لأول مرة منذ عام 1986،

ظل خطاب الحكومة اليابانية دون تغيير، مكررة عبارة الاستعداد لاتخاذ إجراءات مناسبة في أي وقت. لكن الأسواق لم تبدِ اقتناعاً، إذ عاد الين إلى مستويات أضعف مما كان عليه قبل التدخلات السابقة التي كلفت اليابان 11.7 تريليون ين (أكثر من 72 مليار دولار) بين أواخر أبريل وأوائل مايو.من الخط الأحمر إلى المنطقة الرماديةطالما اعتادت الأسواق على وجود 'خط أحمر' تتحرك عنده السلطات اليابانية،

ففي عام 2022 تدخلت عندما تجاوز الدولار 152 يناً، وبعدها بعامين عادت للتدخل عند 160 ين. أما اليوم، ورغم وصول الدولار إلى أكثر من 162 ين،

فلا تغيير سوى استمرار التحذيرات اللفظية. هذا دفع بيوت الاستثمار العالمية للاعتقاد بأن طوكيو ربما لم تعد تنظر إلى 160 كحد للتدخل الفوري، بل تراقب نطاقاً أعلى يمتد إلى 163 أو حتى 165 ين، إذا استمرت الضغوط.

ولا يعني ذلك تفضيلاً لضعف العملة، بل حذراً متزايداً بعد أن تبين أن فعالية التدخل أصبحت محدودة.لماذا لم يعد التدخل يخيف الأسواق؟في السابق، كان مجرد التلميح بالتدخل كافياً لإجبار المضاربين على تقليص رهاناتهم ضد الين. أما اليوم،

فالمتعاملون يدركون أن الحكومة تستطيع إبطاء الهبوط لكنها لا تستطيع تغيير الاتجاه الأساسي للسوق إذا بقيت العوامل الاقتصادية على حالها. قيمة العملات تحددها أيضاً فروق أسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال العالمية، ورغم رفع بنك اليابان الفائدة مؤخراً، إلا أنها تبقى منخفضة جداً مقارنة بنظيرتها الأميركية،

مما يبقي الدولار أكثر جاذبية. وبذلك، أي ارتفاع مؤقت للين يتحول إلى فرصة جديدة لشراء الدولار بأسعار أقل، فتتكبد الحكومة خسائر لصالح المستثمرين.تجارة بمليارات الدولارات ضد الينالسبب الأكبر لاستمرار الضغوط لا يقتصر على المضاربة التقليدية،

بل يمتد إلى 'تجارة الفائدة' أو Carry Trade، التي تقوم على اقتراض الين بتكلفة منخفضة وتحويله إلى الدولار أو عملات أخرى بعوائد أعلى. هذه الاستراتيجية تظل مربحة ما دام الفارق في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة واسعاً. لذلك يرى المستثمرون في التدخل الحكومي عقبة مؤقتة،

وكل تدخل جديد يحتاج إلى مبالغ أكبر لتحقيق تأثير يتلاشى تدريجياً.نزيف مع كل تدخلأنفقت اليابان أكثر من 72 مليار دولار خلال أسابيع قليلة هذا العام للدفاع عن عملتها، وهو رقم غير مسبوق. لكن المفارقة أن هذه الأموال لم تمنع الين من العودة إلى مستويات أضعف. بعض الاقتصاديين يرون أن التدخلات المتكررة قد تمنح المضاربين نقاط دخول جديدة لشراء الدولار بأسعار أقل،

مما يجعل الحكومة توفر سيولة لاستكمال الاتجاه نفسه. لذا لم تعد القضية مرتبطة بقدرة اليابان المالية فقط، بل بمدى جدوى استخدام احتياطياتها في معركة لا تحسم عبر التدخل وحده.هل رفعت الحكومة سقف التدخل فعلاً؟لا يوجد تصريح رسمي يشير إلى رفع المستوى المقلق لسعر الين؛ فالسلطات لا تعلن 'خطوطاً حمراء' محددة، بل تؤكد أن معيارها هو سرعة تحركات السوق وطبيعتها.

لكن بقاء الدولار فوق 162 ين دون تدخل مباشر عزز الاعتقاد بأن السلطات أصبحت أكثر تسامحاً مع ضعف العملة أو أكثر حذراً في استخدام احتياطياتها. ويرى محللون أن الحكومة لا ترغب في تكرار سيناريو أبريل الماضي، حين أنفقت مليارات الدولارات لإبطاء الهبوط لبضعة أسابيع فقط، قبل أن يستأنف الين مساره النزولي.

المستثمر الذي يقترض بالين بفائدة 1% ويستثمر في سندات أميركية بعائد 4% لن يغير استراتيجيته بسبب تدخل مؤقت.لماذا لا يرفع بنك اليابان الفائدة بقوة؟يظل إرث ثلاثة عقود من النمو الضعيف والانكماش والدين العام الذي يتجاوز 240% من الناتج المحلي الإجمالي عائقاً أمام رفع سريع للفائدة. أي ارتفاع كبير يعني زيادة تكلفة خدمة الدين وضغطاً على الشركات والأسر. لذلك يواصل بنك اليابان رفع الفائدة ببطء ومدروسة، مما يحد من قدرته على دعم العملة،

بينما تتحرك أسواق العملات وفق اعتبارات عالمية.المضاربون يختبرون 'عتبة الألم'في كل مرة تؤجل فيها الحكومة التدخل، تزداد قناعة المستثمرين بإمكانية دفع الدولار لمستويات أعلى. هذا ما يسمى باختبار عتبة الألم، أي النقطة التي تصبح عندها السلطات مستعدة لتحمل التكلفة السياسية والمالية للتدخل.

الأمر لا يتعلق فقط بمستوى 162 أو 163، بل بسرعة التراجع وحجم التقلبات. إذا كان الضعف تدريجياً، قد تفضل الحكومة الانتظار،

أما إذا كانت تحركات حادة، فقد يكون التدخل أكثر ترجيحاً حتى لو كان السعر أقل من مستويات تاريخية.دروس من الماضيشهدت اليابان تدخلات عديدة منذ تسعينات القرن الماضي، ونجاحها ارتبط دائماً بعوامل اقتصادية داعمة. ففي 1998 ساعدت التدخلات مع تغيرات في السياسة النقدية العالمية،

وفي 2011 جاء التدخل بشكل منسق مع مجموعة السبع بعد زلزال فوكوشيما. أما التدخلات الأحادية في 2022 و2024 و2026، فقد نجحت مؤقتاً لكنها لم تغير الاتجاه الأساسي. وهذا يؤكد أن التدخل أداة لكسب الوقت أكثر من كونه وسيلة لعكس المسار.إلى أين يتجه الين؟معظم المحللين يربطون اتجاه العملة اليابانية ببيانات الاقتصاد الأميركي ومسار فائدة الاحتياطي الفيدرالي وإشارات بنك اليابان بشأن التشديد النقدي.

إذا بقيت فجوة العوائد كبيرة، ستستمر الضغوط على الين حتى مع تدخلات متقطعة. أما إذا تراجعت الفائدة الأميركية أو تحرك بنك اليابان بخطوات أكثر جرأة، فقد تتغير المعادلة.

التحدي الأكبر الآن هو الحفاظ على مصداقية سياسة التدخل، بعد أن أثبتت التجارب أن الأسواق قادرة على امتصاص مليارات الدولارات خلال أسابيع قليلة. فلم يعد السؤال: هل ستتدخل طوكيو؟ بل أصبح: هل باستطاعة تدخلها تغيير اتجاه السوق،

أم أنه مجرد استراحة يحددها فارق الفائدة أكثر من احتياطيات النقد؟ المفارقة أن كلما ارتفعت تكلفة الدفاع عن الين، زادت صعوبة قرار التدخل، وازدادت جرأة المضاربين على اختبار حدود قدرة الحكومة.

شاشة تظهر حركة الين مقابل الدولار في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ) وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي سابق بالعاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)