لم يكن التباطؤ الذي سجلته المؤشرات الرسمية للسوق العقارية السعودية خلال النصف الأول من العام الحالي مفاجئاً، بل يُعد تطبيقاً عملياً لمرحلة إعادة التوازن التي بدأت ملامحها منذ عام 2025. ومع دخول متغيرات تنظيمية كبرى، مثل التسجيل العيني،

حيز التنفيذ، يمر المستثمرون والمطورون بفترة إعادة حسابات وترقب، تمهيداً لنصف ثانٍ يُتوقع أن يقوده الطلب الحقيقي في القطاعات السكنية واللوجستية المتكاملة.أظهرت بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل (لفئة نقل الملكية) تراجع إجمالي قيمة الصفقات العقارية خلال النصف الأول من 2026 إلى 82.2 مليار ريال (21.9 مليار دولار)، مقابل 169.4 مليار ريال (45.1 مليار دولار) في الفترة ذاتها من 2025،

بانخفاض نسبته 51.5%، وهو الأكبر بين المؤشرات. كما انخفض عدد الصفقات إلى 161.9 ألف صفقة، مقارنة بـ220 ألف صفقة في النصف الأول من العام السابق،

بتراجع نسبته 26.4%، مما يعكس تباطؤاً في حركة البيع والشراء. ولم يقتصر التراجع على القيمة والعدد، بل امتد إلى حجم الأصول المتداولة،

حيث انخفض عدد العقارات المتداولة من 204.9 ألف عقار إلى 138.6 ألف عقار، بانخفاض نسبته 32.4%، فيما تراجعت المساحة الإجمالية المتداولة إلى 1.625 مليار متر مربع، مقارنة بـ2.088 مليار متر مربع،

بانخفاض بلغ 22.2%.على صعيد الأسعار، أظهرت البيانات مرونة نسبية؛ إذ انخفض متوسط سعر المتر المربع إلى 1965 ريالاً، مقارنة بـ2217 ريالاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بتراجع نسبته 11.4%.

كما هبط أعلى سعر متر مربع مسجل في الصفقات من 453124 ريالاً إلى 330578 ريالاً، بانخفاض بلغ نحو 27%.في تحليل هذه الديناميكية، يرى الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه أن الانخفاض في قيمة وعدد الصفقات يُعد منطقياً نظراً لعاملين حاسمين: الأحداث الجيوسياسية الإقليمية، والتأثير الفعلي للقرارات الحكومية الرامية إلى إعادة التوازن للسوق.

وأشار إلى ضرورة التفريق بين الأصول المتداولة وغير المتداولة، موضحاً أن العديد من المستثمرين حوّلوا أصولهم إلى فئة غير المتداولة في حالة تفضيل الترقب وإعادة التموضع. واعتبر المتغيرات الاقتصادية الأخرى، كأسعار الفائدة وتكلفة التمويل،

عوامل جانبية مقارنة بالملفين الجيوسياسي والتنظيمي، مشيراً إلى أن التوجه الحكومي لتطوير القطاع سيُسهم في إعادة توجيه السيولة نحو مشروعات التطوير الحقيقية وزيادة المعروض السكني.من جهة أخرى، يتفق الخبير والمهتم بالشأن العقاري عبد الله الموسى على أن تراجع قيم التداولات بنسبة تتجاوز 51% لا يمكن تفسيره كانعكاس مباشر لتراجع الأسعار، داعياً إلى قراءة أعمق للمؤشرات.

ونوّه بأن السوق شهد تحولاً مؤسسياً متمثلاً في التوسع بتطبيق التسجيل العيني وانتقال تنفيذ التصرفات العقارية في مناطق رئيسية، كالرياض، إلى منظومة السجل العقاري. واستدل على متانة السوق بأن انخفاض متوسط سعر المتر بنسبة 11% فقط،

مقابل هبوط التداولات بأكثر من نصف قيمتها، يؤكد أن القطاع لم يشهد تصحيحاً سعرياً حاداً، بل تغيراً في تركيبة الصفقات نتيجة لانخفاض الصفقات المليارية الضخمة والأصول مرتفعة القيمة، مقابل استقرار أسعار العقارات في مواقع الطلب الحقيقي.

ووصف المرحلة بأنها إعادة فرز وليس تصحيحاً عاماً، حيث أصبحت السيولة أكثر انتقائية واتجهت نحو الأصول ذات الجودة العالية.تطلعاً إلى المستقبل، يتوقع الموسى أن يشهد النصف الثاني من 2026 تحسناً تدريجياً ونوعياً في النشاط العقاري، مستبعداً العودة السريعة لمستويات التداول القياسية السابقة.

وأوضح أن القطاع يعيش مرحلة انتقالية تقودها الإصلاحات التنظيمية ورفع الشفافية وتطور البنية التشريعية، وهي عوامل تعزز ثقة المستثمر على المدى المتوسط. ورجّح أن تقود المشروعات السكنية المتكاملة التي تلبي الطلب الفعلي، إلى جانب القطاعين اللوجستي والصناعي المدعومين بالنمو الاقتصادي والمشروعات الكبرى،

دفة النمو خلال الفترة المقبلة. وخلص إلى أن نجاح السوق في المرحلة القادمة لن يُقاس بحجم التداولات فقط، بل بقدرتها على جذب استثمارات نوعية ورفع كفاءة استخدام الأصول وتحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب. شبكة طرق في العاصمة السعودية (واس) أحد مشروعات «الوطنية للإسكان» (واس)