يواجه ملايين السودانيين أزمة خانقة في إمدادات الكهرباء تزامناً مع ارتفاع قياسي في درجات الحرارة يتجاوز 40 درجة مئوية في معظم الولايات، وذلك نتيجة الانهيار شبه الكامل لشبكة الكهرباء بسبب الدمار الذي لحق بمحطات التوليد خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، إضافة إلى سرقة وتخريب محولات الكهرباء. وقد أدى ذلك إلى تفاقم معاناة المواطنين مع انقطاعات متواصلة تصل إلى أيام متتالية،

وترافقت مع احتجاجات في شمال البلاد وسط ضغوط إضافية على الخدمات، خاصة أزمة المياه الخانقة.وتقول علوية عبدالوهاب، ربة منزل من ضاحية الحتانة بأم درمان، إن انقطاع الكهرباء لساعات طويلة في العاصمة الخرطوم جعل الحياة لا تُطاق،

خاصة مع الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، مما أدى إلى نقص حاد في المياه، وأصبح المواطنون يعيشون سلسلة من الأزمات الخانقة. وأضافت أن هذه الأزمة ضاعفت أعباء ربات البيوت في حفظ الأطعمة من التلف،

في ظل غلاء الأسعار وتدني الدخول، مما يضطر الأسر إلى اتباع سياسة تدبير صارمة، لكن حل المشكلة جذرياً يبدو شبه مستحيل بسبب هشاشة الوضع واعتماد المنازل الكبير على أجهزة التبريد، مما أدى إلى توسيع نطاق البرمجة القسرية لقطع الكهرباء في مدن الولايات المختلفة.وأشارت عبدالوهاب إلى أن أزمة الكهرباء أدت إلى توقف مضخات المياه،

مما فاقم معاناة الحصول على المياه، حيث يتسابق المواطنون منذ الصباح الباكر لشرائها من العربات التي تجرها الدواب، بعد اصطفاف طويل أمام آبار المياه، وقد بلغ سعر برميل الماء نحو 40 ألف جنيه سوداني (حوالي 10 دولارات).

كما حذرت من تزايد مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة بسبب تلوث المياه، إلى جانب ضربات الشمس، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً من الدولة.من جهته، أوضح الناشط المجتمعي الزين خضر أن قطوعات الكهرباء ترجع إلى مشكلات في الصيانة وندرة قطع الغيار،

فضلاً عن سرقة الكوابل والمحولات في الأحياء السكنية خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع على الخرطوم. وأضاف أن هذه الأزمة أثرت في المستشفيات والمراكز الصحية التي عادت لتقديم الخدمات، إذ تعاني ضغطاً كبيراً في استقبال حالات الإعياء الناتجة عن ارتفاع الحرارة وضيق التنفس والطفح الجلدي، خاصة بين الأطفال،

مشيراً إلى أن صيف هذا العام مختلف في شدته. ونبه إلى أن بعض الولايات، مثل ولاية نهر النيل، اتخذت تدابير احترازية بتقليص ساعات العمل للموظفين وإنهاء اليوم الدراسي عند العاشرة والنصف صباحاً.وقال الباحث في مجال الطاقة حسن عبدالغفار إن قطاع الكهرباء في السودان تلقى ضربة موجعة مع دمار واسع في البنية التحتية،

ولا تزال المشكلة قائمة رغم أعمال الصيانة بعد انتهاء الحرب في العاصمة. وأشار إلى وجود شبكة من اللصوص والمهربين تنشط في نزع المحولات وبيع النحاس والزيوت في السوق السوداء أو تهريبها إلى دول مجاورة، موضحاً أن إعادة تركيب المحولات تحتاج لملايين الدولارات في وقت تعاني فيه خزانة الدولة عجزاً كاملاً. ونتيجة لذلك،

انخفضت ساعات التغذية الكهربائية في بعض المناطق إلى أقل من ساعتين، بينما تعيش أحياء أخرى في ظلام دامس، مع عجز في التوليد بلغ 1000 ميغاوات قبل الحرب وارتفع إلى 3000 ميغاوات بعدها. وأضاف أن إنتاجية المياه في العاصمة تراجعت من 950 ألف متر مكعب يومياً إلى نحو 750 ألف متر بسبب عدم استقرار التيار الكهربائي،

مشيراً إلى أن 39% فقط من سكان السودان كانوا يتمتعون بخدمة الكهرباء قبل الحرب.وعزا وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم القطوعات إلى الاستخدام غير المنظم للكهرباء وتوجّه كثير من المواطنين إلى التوصيل العشوائي من الأعمدة، بالإضافة إلى التخريب والأضرار الكبيرة التي لحقت بالقطاع والتي تحتاج لملايين الدولارات لاستعادة التشغيل. وأكد أنه لا يوجد عجز فعلي في قطاع الكهرباء، لكن السلوك الخاطئ يسهم في عدم استقرار الإمداد،

داعياً إلى التقيد بنظام الفواتير. وأشار إلى أن الاعتماد أصبح على التوليد المائي بعد التدمير الممنهج للتوليد الحراري الذي كان يشكل 60-70% من الإنتاج، مع احتمال عودة المحطات للخدمة قريباً، مؤكداً أن الحكومة تدعم قطاع الكهرباء بأكثر من 85% من موازنة الدولة.

وكشف عن سرقة 14 ألف محول كهربائي من ولاية الخرطوم أثناء الحرب، وتم تركيب 2500 محول جديد، مع خطط لتركيب 1000 محول إضافي واستيراد 2000 آخر، معرباً عن ثقته بحل المشكلة لكنه يحتاج بعض الوقت.