تشهد مؤسسات التمويل التنموي تحولاً جذرياً مع تزايد الاحتياجات الاستثمارية في البنية التحتية الرقمية والطاقة والذكاء الاصطناعي، في وقت تشير التقديرات إلى فجوة تمويلية تتطلب تريليونات الدولارات خلال السنوات المقبلة. ولم تعد الحكومات قادرة وحدها على تحمل تكلفة هذه الاستثمارات، مما يزيد الاعتماد على الشراكات بين المؤسسات المالية متعددة الأطراف وصناديق الثروة السيادية ورؤوس الأموال الخاصة لتسريع تنفيذ المشروعات الاستراتيجية،
خصوصاً في الاقتصادات الناشئة.ويرى مسؤول الاستثمار الرئيسي في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية أن العقد المقبل من التمويل التنموي سيتشكل من تداخل ثلاثة محركات رئيسية: الذكاء الاصطناعي، وصناديق الثروة السيادية، والبنية التحتية الحديثة. ويشدد على أن مؤسسات التمويل متعددة الأطراف ستضطلع بدور أكبر في حشد رؤوس الأموال وتهيئة المشروعات القابلة للاستثمار ودعم التحول نحو بنية تحتية أكثر استدامة وترابطاً.البنية التحتية تتجاوز المفهوم التقليديأوضح المسؤول أن مفهوم البنية التحتية لم يعد يقتصر على الطرق والموانئ والمطارات وشبكات المياه والطاقة،
بل توسع ليشمل شبكات الألياف الضوئية والكابلات البحرية ومراكز البيانات والخدمات اللوجستية الذكية، إلى جانب شبكات الطاقة المرنة والأنظمة الرقمية. وأضاف أن هذه المجالات أصبحت محورية في تسريع النمو الاقتصادي ورفع كفاءة استخدام الموارد وتحسين جودة الخدمات، مشيراً إلى أن الابتكارات التكنولوجية تعيد تشكيل مسارات النمو وتغير أساليب تخطيط البنية التحتية وإنشائها وتشغيلها.وأكد أن الجيل القادم من البنية التحتية لن يركز فقط على ربط المجتمعات،
بل سيهتم أيضاً بتحسين الأداء والكفاءة والمرونة والاستدامة، إضافة إلى المساهمة في سد الفجوة الرقمية وتمكين المزيد من الأفراد من فرص الاقتصاد الحديث. وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل محركاً رئيسياً لهذا التحول، حيث يرفع الطلب على قدرات الحوسبة وتخزين البيانات ومصادر الكهرباء الموثوقة وأنظمة الأمن والحماية.مخاطر اتساع الفجوة الرقميةحذر المسؤول من أن ثورة الذكاء الاصطناعي قد توسع الفجوات بين الدول إذا لم تُعالج تحديات الاتصال والبنية التحتية الرقمية،
لافتاً إلى أن العديد من الاقتصادات النامية لا تزال تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الرقمية وتحمل تكاليفها. وأوضح أن دور البنك الآسيوي يتمثل في تحويل الطلب المتزايد إلى فرص استثمارية قابلة للتمويل، عبر تطبيق المعايير المناسبة وهيكلة المخاطر واستقطاب رؤوس أموال إضافية، مع التركيز على كفاءة استهلاك الطاقة والمياه ودمج مصادر الطاقة المتجددة في مراكز البيانات.وأضاف أن الميزانيات الحكومية وحدها لن تكفي لتمويل الاحتياجات المستقبلية،
مما يرفع أهمية صناديق الثروة السيادية كمصدر لرأس المال طويل الأجل القادر على استيعاب المخاطر المعقدة. وأشار إلى أن منطقة الخليج تتمتع بأهمية خاصة لأنها تجمع بين وفرة رؤوس الأموال المؤسسية والحاجة إلى بنية تحتية مستدامة ومدعومة بالتكنولوجيا وقابلة للربط عبر الحدود، مبيناً أن البنك يمكن أن يكون حلقة وصل بين احتياجات الدول الأعضاء ورؤوس الأموال الخليجية الاستراتيجية.المرحلة المقبلةأوضح المسؤول أن دور البنك في المرحلة المقبلة يرتكز على ثلاثة محاور: تحويل الطلب على البنية التحتية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وهيكلة الصفقات وتوزيع المخاطر لجذب رؤوس الأموال الخاصة،
وإرساء المعايير طويلة الأجل في القطاعات المتسارعة تكنولوجياً. واختتم بالقول إن العقد المقبل من التمويل متعدد الأطراف لن يتحدد بالذكاء الاصطناعي أو الثروات السيادية أو البنية التحتية كل على حدة، بل بمدى القدرة على الربط بينها بفاعلية، مؤكداً أن التحدي يكمن في بناء أطر مؤسسية مدعومة بالتكنولوجيا وقادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية،
مع توجيه رؤوس الأموال طويلة الأجل لخدمة الاقتصاد الحقيقي. كونستانتين ليميتوفسكي المسؤول الرئيسي للاستثمار في البنك الآسيوي (البنك الآسيوي)