يدخل الدولار الأميركي النصف الثاني من العام الجاري مدعوماً بزخم صعودي قوي، في ظل تصاعد التوقعات برفع أسعار الفائدة واستمرار تدفق الاستثمارات نحو الأصول الأميركية، مدفوعة بما يُعرف بـ"الاستثنائية الأميركية"، مما يمهّد لمزيد من الضغوط على العملات الرئيسية الأخرى.ويُعد الدولار أفضل العملات أداءً خلال النصف الأول من العام،
بعدما ارتفع بنحو 3%، في تحول لافت مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي عندما تراجع بأكثر من 10% مسجلاً أكبر خسارة له منذ السبعينيات بفعل تداعيات السياسات التجارية الأميركية.ورغم تراجع أسعار الطاقة وانحسار مخاطر التضخم مع تزايد الآمال بوقف دائم لإطلاق النار في الحرب الأميركية الإيرانية، فإن متانة الاقتصاد الأميركي المدعومة بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي عززت قناعة المستثمرين بأن الخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي ستكون نحو رفع الفائدة وليس خفضها.ويستمر هذا المشهد في دعم الدولار، الذي يستفيد أيضاً من التوترات الجيوسياسية،
كما يُبقي النهج المتشدد لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد تركيز الأسواق منصباً على التضخم الذي لا يزال أعلى بكثير من مستهدف 2%.ويتوقع المتداولون حالياً رفع أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل خلال العام الحالي، مع احتمال متقارب لزيادة ثانية، في تحول ملحوظ عما كانت تسعره الأسواق قبل أسابيع. وليس من المستغرب أن يسجل الدولار أعلى مستوياته في أربعة عقود مقابل الين الياباني،
مما يثير قلق السلطات اليابانية، ويقترب أيضاً من أعلى مستوياته هذا العام أمام اليورو.ويرى المحللون أن الأصول الأميركية أصبحت أكثر تكلفة لكن ذلك لا يردع المستثمرين، مشيرين إلى أن الشركات الأميركية والأصول المقومة بالدولار لا تزال تتمتع بجاذبية استثنائية، مع استمرار الشركات الأجنبية في ضخ استثمارات كبيرة بالولايات المتحدة لتعزيز وجودها هناك،
مما يوفر دعماً إضافياً للعملة الأميركية.وفي المقابل، يواجه صناع السياسات من أوكلاند إلى زيوريخ تحديات متزايدة بسبب ضعف عملاتهم المحلية، مما يرفع تكلفة الواردات. ورغم تراجع أسعار الطاقة،
فإن أسعار الغذاء والسفر والسلع والخدمات الأخرى لا تزال تشهد ارتفاعاً ملحوظاً. كما هبط الوون الكوري الجنوبي إلى مستويات قياسية منخفضة، بينما لجأت اقتصادات ناشئة مثل الهند إلى دعم عملاتها أو رفع الفائدة لمواجهة قوة الدولار.تراكم قياسي للمراكز الشرائيةتُظهر البيانات أن المستثمرين عززوا رهاناتهم على استمرار قوة الدولار بأسرع وتيرة مسجلة خلال النصف الأول من العام. ويحتفظ المضاربون حالياً بمراكز شراء صافية بقيمة نحو 30 مليار دولار،
وهي الأكبر منذ بداية الولاية الرئاسية الثانية. كما تُعد وتيرة تراكم هذه المراكز الأسرع منذ بدء تسجيل هذه البيانات.ويرى مديرو المحافظ أن الخطر الأكبر على المدى القريب يتمثل في استمرار ارتفاع الدولار نتيجة زيادة أسعار الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة، مرجحين خروج الدولار من النطاق الذي تحرك ضمنه خلال الأشهر الماضية، رغم توقعاتهم بضعفه على المدى الطويل بسبب المخاوف الهيكلية المرتبطة باستدامة المالية العامة للحكومة الأميركية.تدفقات استثمارية قياسيةواصلت البيانات الاقتصادية الأميركية مفاجأة الأسواق بصورة إيجابية منذ أبريل،
في حين جاءت أرباح الشركات أعلى من التوقعات. وتشير بعض التقديرات إلى احتمال تراجع اليورو إلى مستوى 1.10 دولار على المدى القريب إذا استمرت الأسواق في تسعير سياسة نقدية أكثر تشدداً، بينما يتداول اليورو حالياً قرب 1.135 دولار.وفي الوقت نفسه، اجتذبت طفرة الذكاء الاصطناعي وموجة الاكتتابات العامة الضخمة مستويات قياسية من السيولة،
حيث تدفق نحو 341 مليار دولار إلى سوق الأسهم الأميركية منذ بداية العام، وهو مستوى غير مسبوق مقارنة بـ134 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.كما تستضيف الولايات المتحدة أكبر شركات الحوسبة السحابية في العالم، التي تتسابق لبناء مراكز بيانات ضخمة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب احتضانها عدداً من أكبر شركات الحوسبة الكمية،
مما يعزز جاذبية الاقتصاد الأميركي ويدعم قوة الدولار.ويؤكد المحللون أن الاقتصاد القوي يقترن عادة بعملة قوية، وأن النمو الاقتصادي المستقبلي سيعتمد على مزيج من القدرات الحاسوبية والطاقة والعمالة، معتبرين أن الولايات المتحدة هي الأكثر استفادة من هذه البيئة، حيث يحصد الفائز كل شيء.