مع استمرار الصراع المسلح في السودان وتفاقم تداعياته الإنسانية والأمنية والاقتصادية، لا تقتصر الأزمة على القتل والتشريد والجوع، بل امتدت لتشكل واحدة من أخطر الأزمات التي تهدد الصحة النفسية. إذ سجلت معدلات مقلقة من الاكتئاب والخوف والقلق وفقدان الأمان،
واضطرابات قد تستمر لعقود، في ظل تحول الحرب إلى مصنع للصدمات النفسية، ونقص حاد في مؤسسات الدعم النفسي والكوادر المتخصصة.أشارت وزارة الصحة الاتحادية إلى أن ارتفاع معدلات الأزمات النفسية بسبب تداعيات الحرب والانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المواطنون، ضاعف الحاجة إلى تدخلات عاجلة لدعم الصحة النفسية عبر تأهيل مستشفيات الطب النفسي ومراكز الإدمان،
لتعزيز قدرة النظام الصحي على الاستجابة للحاجات المتزايدة. وأكد وزير الصحة أن الاضطرابات النفسية تشهد تزايداً مقلقاً على مستوى العالم، لكن السودان أكثر تعقيداً في ظل الظروف الراهنة التي فرضتها الحرب. وأوضح أن الوزارة تعمل على تعزيز الوعي المجتمعي بالصحة النفسية وتوسيع خدمات الاكتشاف المبكر وتسهيل الوصول إلى العلاج،
للحد من ظواهر العنف والإدمان والانتحار، داعياً إلى تبني رؤية شاملة للصحة النفسية وتخصيص موازنة كافية لتطوير خدماتها ضمن النظام الصحي.في المقابل، يرى متخصصون في الصحة النفسية أن السودان لا يزال ينتج الخوف يومياً جراء موجات النزوح المتواصل، وفقدان الأقارب،
وانعدام الاستقرار، والانقطاع عن التعليم، ومشاهد العنف المستمر. هذا التراكم يحول الصدمة من تجربة عابرة إلى مزمنة تؤثر في الشخصية والسلوك والعلاقات الاجتماعية لأعوام طويلة.خوف ورعبسامية مختار،
أم لخمسة أطفال، قالت إنها تمكنت من الهرب مبكراً مع أسرتها من ضاحية أمبدة في أم درمان التي شهدت أحداثاً عنيفة، لكنها فشلت حتى الآن في مساعدتهم على تخطي الخوف والرعب. وأوضحت أن علامات عدم التوازن والاضطراب النفسي ظهرت أكثر على أصغر أطفالها،
الذي أصبح يميل إلى العدوانية وكثرة الشجار والانفعال أثناء اللعب، والاستيقاظ على الصراخ المفاجئ، إضافة إلى التبول اللاإرادي والارتجاف والاختباء تحت الأسرة ورفض الدراسة، بعدما كان هادئاً ومطيعاً.
أما ابنتها الكبرى فباتت في حالة انطواء ولا ترغب في مقابلة أحد، بسبب ما شاهدوه من أشلاء وجثث متناثرة وما سمعوه من دوي المدافع والانفجارات. وأضافت أن هذه السلوكيات لم تكن مجرد أعراض مؤقتة، بل تحولت إلى حالة مرضية بسبب استمرارها حتى بعد العودة إلى المنزل في أم درمان،
حيث تفاقمت الأوضاع المعيشية والعوز الشديد، مما زاد الآلام، مع مخاوف من تدهور الأوضاع الأمنية وانتشار النهب والسرقة واستهداف العاصمة بالمسيرات. ونصحت بضرورة عرض الأطفال على معالج نفسي بسبب تدهور صحتهم وفقدان الشهية،
مشيرة إلى أن قصتها تمثل مشكلة تعانيها معظم الأسر.أسلحة مدمرةالاختصاصية الاجتماعية والنفسية أحلام يوسف أوضحت أن الحرب المستمرة تركت آثاراً نفسية عميقة طاولت آلاف المواطنين، تمثلت في القلق والخوف والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، وهي من أخطر الأسلحة المدمرة للإنسان. الأطفال وكبار السن والنساء هم الأكثر تضرراً.
وأشارت إلى أن الحرب أسهمت في إفراز سلوكيات صادمة كالميول للعنف والعدوانية ونوبات البكاء والتبول اللاإرادي، خاصة بين الأطفال في مناطق النزاع، إضافة إلى التجنيد القسري والزواج المبكر والاختطاف والعنف الجنسي. وتتجسد مأساتهم النفسية أكثر أثناء الإقامة في مراكز الإيواء التي تفتقد أبسط مقومات الحياة الطبيعية.
وأكدت أنهم يمكن أن يعودوا إلى واقعهم إذا وجدوا الدعم النفسي والاجتماعي اللازمين. كما أشارت إلى أن الشباب عانوا من توترات نفسية بسبب تبدل أوضاعهم ورفضهم للواقع الجديد، خصوصاً توقف الدراسة، مما قاد بعضهم إلى تعاطي المخدرات والإدمان.
وأضافت أن الآثار النفسية والاجتماعية كثيرة، وتختلف باختلاف قدرة التحمل، خاصة النساء اللواتي عانين انتهاكات مروعة كالعنف الجنسي والاغتصاب، وقد تصل إلى حد الانتحار.
ومضت قائلة إن ما عاشه المدنيون من إصابات جسدية ونفسية جسيمة تظل آثارها طويلة الأمد وقد تمتد إلى عقود، مما يتطلب تدخلات عاجلة في الدعم النفسي ومحاولة الإدماج الاجتماعي.تحديات ودعماستشارية الصحة النفسية ابتسام محمود أفادت بأن الحرب أثرت مباشرة على حياة السودانيين في ظل تحديات اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة كالفقر والبطالة والعنف الأسري وارتفاع معدلات الطلاق، مما انعكس سلباً على الصحة النفسية ومزق النسيج المجتمعي. وتتفاقم هذه التحديات عند التعرض لاضطرابات ما بعد الصدمة خاصة عند استرجاع الذكريات والمناظر المرعبة.
وأوضحت أن الصدمة تعني عدم السيطرة على الانفعالات، ولها تداعيات خطرة، مشددة على ضرورة اهتمام الدولة بتفعيل المستشفيات ومراكز الدعم النفسي. وأضافت أن الاهتمام بتطبيع الصحة النفسية يجب أن يشمل ثلاثة محاور: إنمائي يتعلق بالأطفال وكيفية نمو الأجيال،
ووقائي لمن تعرضوا للصدمة، وعلاحي بتوفير الخدمات العلاجية المتاحة في كل منطقة لمنع تطور الآثار النفسية من مؤقتة إلى مزمنة. وخلصت إلى أنه من واقع عملها، هناك قضايا سلبية كثيرة أفرزتها المشكلات النفسية كجرائم القتل بين المدنيين على أقل الأسباب في ظل انتشار السلاح،
وارتكاب بعض المرضى لجرائم بشعة، داعية إلى نظام متكامل لدعم الصحة النفسية ورفع الوعي المجتمعي بحيث يتواجد الطبيب النفسي في المدارس والمراكز الصحية والمؤسسات والمحاكم والسجون.