تُشير البيانات إلى أن الحرب الإيرانية الراهنة تمثل أخطر صدمة جيوسياسية لاقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ عام 1980 على الأقل، نظراً لاتساع نطاق الدول المتضررة وحجم اقتصاداتها. فالصراع الحالي يؤثر على كتلة تضم إيران والسعودية والإمارات والعراق والكويت وقطر والبحرين وعُمان ولبنان وإسرائيل، ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي نحو 4 تريليونات دولار،

أي ما يعادل 70% من اقتصاد المنطقة و3% من الاقتصاد العالمي.وقد تمت مقارنة هذه الأزمة بأبرز الصدمات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة منذ عام 1980، مثل الحرب العراقية-الإيرانية، وغزو العراق للكويت وحرب تحريرها، والغزو الأميركي للعراق،

وثورات الربيع العربي، وحرب غزة، مع استبعاد جائحة كورونا والأزمة المالية العالمية بوصفهما صدمتين عالميتين غير مرتبطتين بجغرافيا المنطقة. وخلص التحليل إلى أن الحرب الحالية قد تشكل نقطة تحول كبرى في اقتصاد المنطقة ودورها العالمي،

شبيهة بالحظر النفطي العربي عام 1973 الذي أدى إلى تسارع التضخم العالمي وظهور الركود التضخمي، لكنه أطلق طفرة اقتصادية في دول الخليج آنذاك.وتختلف الأزمة الحالية عن معظم الصدمات السابقة لأنها تضغط في وقت واحد على إمدادات الطاقة، وحركة التجارة والشحن، والطيران،

والتمويل، والسياحة. كما أن ارتفاع أسعار النفط، الذي ساعد المنطقة على تجاوز صدمات سابقة،

قد لا يكون كافياً هذه المرة لتعويض أثر التعطل الواسع. وتظهر البيانات أن صدمة عام 1980 كانت الأشد من حيث الأثر المباشر على النمو، إذ انكمش اقتصاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكثر من 1% بعد الثورة الإيرانية وبداية الحرب العراقية-الإيرانية، مدفوعاً بانكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 21.6%.

أما في الأزمة الحالية، فمن المتوقع أن يتراجع نمو المنطقة إلى 1.1% هذا العام، مع انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 6%، وفق السيناريو المرجعي.

غير أن استمرار تعطيل الملاحة في مضيق هرمز قد يزيد من احتمالات خفض توقعات النمو.وساعدت أسعار النفط المرتفعة المنطقة على تسجيل نمو قوي خلال أزمات سابقة، فنما اقتصاد المنطقة بنحو 7% في عامي 1990 و1991 رغم غزو الكويت وحرب تحريرها، وبنحو 5.8% في 2003 رغم الغزو الأميركي للعراق، وبنحو 4% في 2011 رغم تداعيات الربيع العربي.

وأظهر الاقتصاد السعودي تاريخياً قدرة عالية على تجاوز الصدمات، مدعوماً باستمرار إنتاج وتصدير النفط، وصلابة الطلب المحلي، وتنوع الإيرادات الحكومية بعد الإصلاحات.

كما ساعد خط أنابيب شرق-غرب على تحويل معظم إنتاج النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر خلال الأزمة الحالية.