-في واحدة من أعقد الحروب التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، يواصل الجيش السوداني معاركه في مواجهة مليشيات مدعومة بتجهيزات عسكرية حديثة وتغذّيها عناصر مرتزقة، وذلك في ظل ظروف ميدانية وإنسانية بالغة التعقيد. ورغم تفاوت الإمكانيات وتشابك التحديات،
برزت تجربة القوات المسلحة السودانية كنموذج للصمود والتماسك، مستندة إلى خبرات تراكمية وإرادة وطنية واسعة، الأمر الذي أسهم تدريجياً في تغيير موازين المعركة على الأرض. وبمناسبة دخول العام الرابع من اندلاع الحرب التي فرضت على السودان جراء تمرد مليشيا الدعم السريع على إرادة الدولة،
أعدت وكالة السودان للأنباء (سونا) هذا التقرير لتسليط الضوء على جوانب الصمود والتجربة الميدانية التي خاضها الجيش السوداني، خاصة في ظل عنصر المفاجأة والمباغتة الذي صاحب اندلاع القتال. وفي هذا السياق، قال العميد (م) دكتور عبد العظيم نور الدين،
الخبير العسكري والإعلامي وأستاذ الإعلام بالجامعات السودانية، إن المليشيا كانت تتصور في بداية الحرب أنها معركة قصيرة لحسم السلطة، مضيفاً: "مرت ثلاث سنوات على هذه الحرب التي فرضت على السودان، وكانت حسابات المليشيا تشير إلى أن السيطرة على الدولة مسألة وقت قصير،
خاصة مع تحركاتها الأولى التي استهدفت مواقع سيادية مهمة". وأوضح أن تلك التقديرات لم تضع في الحسبان طبيعة المؤسسة العسكرية السودانية، مشيراً إلى أن الجيش يمتلك عقيدة قتالية راسخة وتاريخاً طويلاً من الانضباط والتدريب، وهو ما انعكس في صموده رغم شدة الهجوم وتفوق الخصم في بعض الجوانب التسليحية.
وأكد أن القوات المسلحة تمكنت، بمساندة وحداتها المختلفة، من امتصاص الصدمة الأولى ثم الانتقال إلى مرحلة المبادرة، لافتاً إلى أن تضحيات الجنود واستبسالهم أسهمت في حماية أجزاء واسعة من البلاد واستعادة مواقع مهمة.
وأشار إلى أن مجريات الحرب في عامها الرابع تعكس تراجعاً ملحوظاً في قدرات المليشيا، لا سيما على المستوى المعنوي، مقابل تماسك متزايد في صفوف القوات المسلحة. من جانبه،
أوضح الأستاذ الفاتح السيد البدوي، الخبير الإعلامي والمحلل السياسي، أن تجربة الجيش السوداني تمثل نموذجاً معقداً في إدارة الصراعات المسلحة ضمن بيئة إقليمية ودولية متشابكة. وقال إن ما يجري في السودان لا يمكن فصله عن سياقات أوسع تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية،
مما جعل من هذه الحرب اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الصمود. وأضاف أن الأداء العسكري أظهر تطوراً في مجالات التخطيط وإدارة العمليات، مشيراً إلى أن القوات المسلحة قدمت نموذجاً لافتاً في حرب المدن وحرب العصابات، إلى جانب قدرتها على التعامل مع الهجمات المباغتة والمواجهات المباشرة.
ويمضي الفاتح في حديثه لسونا ان هذا الصمود للجيش السوداني مدعومة بقوات من الشعب يؤكد أن قوة الجيوش لا تُقاس فقط بحجم التسليح، بل أيضاً بمدى تماسكها وكفاءة قيادتها وارتباطها بحاضنتها الشعبية. كما شدد على أهمية الدور المجتمعي في دعم القوات المسلحة، مبيناً أن مبادرات الإسناد الشعبي والقوافل تعكس عمق التلاحم بين الجيش والمجتمع،
وهو عامل حاسم في استمرار الصمود. داعيا إلى أن تنطلق أي حلول مستقبلية للأزمة من إرادة سودانية خالصة، مع أهمية توثيق هذه التجربة باعتبارها مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد. وتشير (سونا) إلى أن تجربة الجيش السوداني في هذه الحرب تظل محل اهتمام ومتابعة،
ليس فقط لنتائجها الميدانية، بل لما تحمله من دلالات تتعلق بطبيعة الصراعات الحديثة ودور الإرادة الوطنية في حسمها، في ظل عالم تتزايد فيه تعقيدات المشهدين السياسي والعسكري.