تشهد أسواق الدخل الثابت تحولاً جذرياً يضع واحدة من أعرق الفرضيات الاستثمارية على المحك، وهي فكرة أن سندات الخزانة الأميركية تشكل وسادة أمان تحمي المحافظ عند هبوط الأسهم. تتعرض السندات طويلة الأجل لضغوط متزايدة منذ اندلاع الحرب مع إيران، حيث يطالب المستثمرون بعوائد أعلى تعويضاً عن مخاطر التضخم المتصاعد وقوة الاقتصاد الأميركي والزيادات المتوقعة في معروض السندات المدفوعة بإنفاق العجز الحكومي.قفز عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً هذا الشهر ليتجاوز حاجز 5%،
متخطياً توقعات المحللين قبل أن يجتذب بعض المشترين مجدداً. وتظهر البيانات أن الارتباط لمدة 60 يوماً بين مؤشر الأسهم الرئيسي وعوائد السندات بلغ أعلى مستوياته منذ أكثر من عقدين، مما يعني أن السندات باتت تضخم تقلبات السوق بدلاً من أن تكون أداة للتحوط ضدها.تصدع نموذج 60/40يقوض هذا التحول الجذري نموذج المحفظة التقليدي القائم على توزيع الاستثمارات بنسبة 60% للأسهم و40% للسندات، والذي يعتمد على أدوات الدخل الثابت لتحقيق العائد والتنويع.
ففي المعتاد، يتوقع المستثمرون ارتفاع أسعار السندات عندما تتراجع الأسهم، لكن هذا الارتباط العكسي بات منعدماً في البيئة الحالية. ويشير خبراء استراتيجيون إلى أن القيمة الجوهرية للسندات في المحافظ الاستثمارية تواجه تحدياً حقيقياً مع غياب هذا الارتباط التقليدي.بدأت هذه المعضلة بالتبلور منذ عام 2021 عندما قفز التضخم عقب اضطرابات الجائحة،
واكتسبت زخماً متجدداً مع قفزة أسعار النفط الناجمة عن الحرب مع إيران. وتدفع هذه العوامل المستثمرين للتركيز على احتمالية بقاء التضخم فوق مستهدفات البنوك المركزية، مما يحد من قدرة صناع السياسة النقدية على خفض أسعار الفائدة حتى وإن تباطأ النمو الاقتصادي.هواجس مالية وعلاوة مخاطرلا تقتصر مخاوف مديري المحافظ على مستويات العوائد الفردية، بل تمتد لتساؤلات حول تراجع دور السندات كمثبت للمحافظ.
ويؤكد خبراء أن السندات لن تحمي المحفظة بالضرورة عندما يكون التضخم مرتفعاً ومتقلباً. كما تضغط الهواجس المالية على الآجال الطويلة لمنحنى العائد، حيث بات المستثمرون أكثر حساسية لتكلفة خدمة الدين الأميركي وإصدارات الخزانة المستقبلية ومخاطر العجز المستمر التي تتطلب علاوة إضافية للأجل الطويل.قفزت علاوة الأجل على السندات لأجل 10 سنوات مؤخراً إلى نحو 0.86%، بعد أن كانت تحت مستوى 0.50% في فبراير الماضي.
وترتبط علامات الاستفهام حول سلامة الدولار وعجز الموازنة الأميركية، وفق محللين، باضطرابات أكبر مما كانت عليه قبل خمس سنوات.ورغم هذه التحديات، لا يبدو المستثمرون مستعدين للتخلي عن سندات الخزانة كأصل عالمي جوهري،
إذ تظل سوق السندات الأميركية الأعمق والأكثر سيولة في العالم. تتحول المعضلة حالياً من جدوى الملكية إلى اختيار الآجال، حيث يفضل الخبراء حالياً الاستثمار في الآجال القصيرة التي توفر عوائد جذابة لإعادة تنويع المحافظ بشكل آمن، بانتظار استقرار الرؤية للآجال الطويلة في عالم يتسم بتضخم لزج وضغوط مالية متزايدة،
لا سيما مع تسعير الأسواق للنمو القوي وأرباح الشركات المدفوعة بالإنفاق القياسي على تقنيات الذكاء الاصطناعي.