في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ عام 2023، تجاوزت المعارك حدود السيطرة على المدن لتقترب من البنية الاجتماعية في دارفور وكردفان. ومع تراجع مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من غرب السودان، برزت الإدارات الأهلية كمراكز نفوذ حساسة،

إذ ظلت لعقود تدير التوازنات القبلية وتحوي النزاعات المحلية وتحفظ الاستقرار في البيئات الهشة.أدركت قوات الدعم السريع دور هذه الإدارات التي تمثل العمود غير المرئي لضبط العلاقات بين القبائل وتوفير الشرعية الاجتماعية في المناطق التي تآكل فيها حضور الدولة. وتحولت هذه الإدارات إلى ساحة صراع موازية للحرب العسكرية. ففي رواية القيادي المنشق علي رزق الله، المعروف بـ"السافنا"،

تفرض القوات السيطرة على بعض الإدارات الأهلية عبر الضغط وتهديد السلاح، مما وضع قيادات محلية أمام خيارات قاسية دفعتها إلى التكيف مع الأمر الواقع، وهو ما وسع سيطرة القوات داخل مناطق مختلفة وسط مخاوف متزايدة من تأثير ذلك في الأمن والاستقرار المجتمعي.ولأن طبيعة الحرب الحالية بدأت تتجاوز كسب الولاءات القبلية إلى إعادة تشكيل مراكز السلطة المحلية وفق معادلة القوة المسلحة، أصبح من المرجح إضعاف البنية الاجتماعية التقليدية وتعميق الانقسامات داخل المجتمعات المحلية.

وبينما اختارت بعض الزعامات القبلية الانتظام في ترتيبات الأمر الواقع، وجدت أخرى نفسها بين حياد قسري ورفض مكلّف قد يصل إلى المواجهة المباشرة.الدور التقليدي للإدارة الأهليةقامت الإدارة الأهلية في السودان، ولا سيما في غربه بإقليمي كردفان ودارفور، كإحدى أعمق البنى الاجتماعية السياسية التي سبقت تشكل الدولة الحديثة.

فهي لم تنشأ كجهاز إداري بالمعنى المؤسسي، بل كتوازن تاريخي فرضته طبيعة المجتمع الزراعي الرعوي، واتساع المجال الجغرافي، وضعف القدرة المركزية على ضبط الأطراف.

برزت الزعامة القبلية كوسيط ضروري بين الجماعة والسلطة، وبين الإنسان والموارد، وبين النزاع وإمكان تسويته.في وظيفتها الجوهرية، كانت الإدارة الأهلية بنية تنظيم اجتماعي للسيادة المحلية،

تنتج الشرعية عبر الأعراف، وتدير الصراع عبر التفاوض، وتعيد توزيع الموارد وفق توازنات دقيقة. أدت دوراً ثلاثياً متداخلاً: فض النزاعات،

وتنظيم الأرض والمياه والمراعي، وتوفير قناة اتصال بين المجتمع والدولة. ومع الحقبة الاستعمارية البريطانية، أعيد تشكيل هذا النظام ضمن منطق الإدارة غير المباشرة،

فتم تقنين سلطات الزعماء وتعزيز أدوارهم في الجباية والأمن المحلي والقضاء العرفي. لكن هذه العملية أعادت تعريفهم كأدوات وظيفية ضمن بنية دولة خارجية.بعد الاستقلال، بدأت لحظة التفكك التدريجي مع صعود الدولة المركزية وسعيها لاحتكار السلطة والقانون، وتعمق هذا المسار في عهد جعفر النميري.

ومع مجيء الصادق المهدي عام 1986، أعيد تعزيز دور الإدارات الأهلية وتوظيف شبكاتها في التعبئة الأمنية المحلية، وهو ما استمر بصور أخرى حتى اليوم.اختراق بنية الإدارة الأهليةيتجلى اختراق قوات الدعم السريع لبنية الإدارة الأهلية كعملية إعادة تشكيل بطيئة لمركز الشرعية الاجتماعية. لا تكتفي القوة بالانتشار،

بل تسعى إلى إنتاج تمثيل محلي يوازي وجودها المسلح، ويمنحه غطاء اجتماعياً يخفف كلفة السيطرة. اعتمدت هذه المقاربة على ثلاثة مسارات متداخلة: أولها التحالف القبلي، عبر استثمار الامتدادات القبلية في دارفور وكردفان لتأمين الحواضن البشرية وكسب ولاء بعض النظار والعمد.

ثانيها الإدارة الموازية، عبر الدفع بقيادات محلية جديدة أو موالية وتجاوز البنى التقليدية الراسخة، مما ولد انشقاقات داخل الكيانات القبلية نفسها. ثالثها الضغط والإزاحة المؤسسية،

إذ استخدمت قرارات الإقالة والعزل كأداة لإعادة هندسة الخريطة الأهلية تحت ذرائع الانحياز أو التحشيد أو خرق القانون.هذه العمليات لم تنتج اصطفافاً مستقراً بقدر ما ولدت حالة استقطاب داخلي، إذ تحولت الإدارة الأهلية من بنية توازن تدار عبر الأعراف إلى ساحة تنازع على تعريف "الشرعية" نفسها. فبدلاً من أن تعمل كجسر بين الدولة والمجتمع، باتت طرفاً في الصراع،

ينقسم داخله الولاء بين الحياد القلق والانتظام القسري أو الاصطفاف الكامل. تكمن خطورة هذا التحول في إضعاف الزعامات التقليدية وإعادة تفكيك الثقة المجتمعية من الداخل، إذ تنشأ انقسامات داخل القبيلة الواحدة ويتآكل الإجماع الأهلي الذي كان يشكل آلية ضبط النزاعات. وهكذا تتحول الإدارة الأهلية من مؤسسة لاحتواء العنف إلى أحد محركاته غير المباشرة.تنازع الشرعية في قلب الحربفي دارفور،

يتجاوز الصراع بين محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد الدعم السريع وموسى هلال القائد السابق لقوات "الجنجويد" حدود الخلاف الشخصي، ليعكس تنازعاً على مصدر الشرعية داخل البنية القبلية، وتحديداً داخل المجال المعقد لعشيرة المحاميد أحد المكونات المحورية لقبيلة الرزيقات، وفي مقابلها الامتداد الاجتماعي والعسكري لعشيرة الماهرية التي تشكل الحاضنة الأساسية لقوات الدعم السريع.

المعضلة التي واجهت حميدتي لا تتعلق فقط بتوسيع نفوذه العسكري، بل بإعادة تعريف موقعه داخل الهرم الاجتماعي للقبيلة: هل يظل قائداً لقوة مسلحة ذات جذور قبلية، أم يتحول إلى مركز شرعية يتجاوز الزعامات التقليدية مثل هلال الذي يمتلك ثقلاً تاريخياً داخل الإدارة الأهلية للمحاميد؟تقاس قوة المحاميد بقدرتها على إنتاج إجماع أهلي حول الزعامة التقليدية والتحكم في شبكات الرعي والتحالفات المحلية، مما يجعلها قابلة للتحول إلى كتلة تأثير سياسي أو عسكري غير مباشر.

هذا يفسر تمسك قطاعات واسعة من المحاميد بموسى هلال رغم الانقسامات حول الحرب. في المقابل، تمثل الماهرية نموذجاً مختلفاً، إذ تداخلت البنية القبلية مع الهيكل العسكري للدعم السريع لتتحول إلى ما يشبه "قبيلة مؤسسة"،

مما يمنح حميدتي قدرة عالية على الحشد لكنه يجعله معتمداً على تماسك داخلي شديد الحساسية لأي اهتزاز في الولاءات.مسارات محتملةإذا استمر مسار الدعم السريع في إعادة تشكيل الإدارات الأهلية عبر آليات الاختيار الموجه أو الإزاحة أو خلق مراكز تمثيل موازية، فإن النتيجة الأرجح لن تكون تثبيت السيطرة بقدر ما ستكون إعادة هندسة عميقة للبنية الاجتماعية في دارفور وكردفان. على المدى القصير، قد يحقق هذا المسار مكاسب وظيفية كتسهيل التعبئة وضبط المجتمعات المحلية،

لكنها تحمل بذور التآكل إذ تتحول الإدارة الأهلية من وسيط محايد إلى طرف في الصراع. ومع تراكم قرارات العزل وإعادة التعيين على أساس الولاء، يعاد تعريف القيادة الأهلية لتصبح مرتبطة بمدى القرب من القوة المسلحة لا بعمق القبول الاجتماعي، مما يفتح الباب أمام نشوء نخب محلية أكثر ارتباطاً بالبندقية من الذاكرة الاجتماعية.على المستوى المتوسط،

يتوقع أن تتسع دوائر الانقسام داخل الكيانات القبلية نفسها مع تراجع قدرة الأعراف على حل النزاعات. أما على المدى البعيد، فإن أحد ثلاثة مسارات يصبح مرجحاً: إما تفكك نهائي لوظيفة الإدارة الأهلية لمصلحة كيانات أمر واقع مسلحة، وإما إعادة إنتاجها في صيغة مفرغة من مضمونها التقليدي،

وإما محاولات لاحقة لاستعادتها كوسيط محايد بعد انتهاء الحرب، وهي مهمة ستكون أكثر تعقيداً كلما تعمق التسييس الحالي.