منذ أن تسببت هجمات الطائرات المسيرة في توقف محطات الكهرباء والوقود والمياه في الأبيض، أصبحت معاناة السكان اليومية تتجسد في رحلة شاقة تحت أشعة الشمس الحارقة لجلب مياه عكرة من آبار بعيدة. في الأسابيع الأخيرة، كثفت قوات الدعم السريع هجماتها الجوية على المدينة،

مستهدفة البنية التحتية المدنية والكهرباء والوقود والطرق السريعة المؤدية إلى خارجها، مع نشر تعزيزات عسكرية تذكر بمشاهد ما قبل الهجوم على الفاشر في شمال دارفور.وتقول إحدى النازحات في مخيم الرحمانية على أطراف الأبيض، وهي أم لسبعة أطفال: "نسير لمسافات طويلة ونحمل المياه فوق رؤوسنا وهي أصلاً غير صالحة للشرب". ومع انقطاع المياه بسبب تضرر المحطات،

يعتمد السكان الآن على الآبار وشاحنات نقل المياه ونقاط توزيع محدودة. وتضيف المرأة البالغة من العمر 35 عاماً: "ليس لدينا أي مساعدات، نحتاج إلى المياه والمواد الغذائية".تقع الأبيض، التي يسكنها أصلاً نصف مليون نسمة وتؤوي نحو 100 ألف نازح جراء العنف في المناطق المجاورة،

على طريق حيوي يربط إقليم دارفور الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع بوسط وشرق السودان الخاضعين لسيطرة الجيش. وقد أعرب مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي عن قلقه من حشد تعزيزات عسكرية كبيرة لقوات الدعم السريع حول المدينة، محذراً من فظائع جماعية وشيكة.وتشير بيانات مشروع مواقع النزاعات المسلحة إلى رصد تحركات عسكرية لقوات الدعم السريع خلال الشهر الماضي على بعد نحو 60 كيلومتراً شمال الأبيض وجنوبها وغربها. ويرى محللون أن السيطرة على المدينة ستعزز سيطرة هذه القوات على غرب السودان وربما تمهد الطريق للزحف نحو العاصمة.

وتضم الأبيض فرقة مشاة للجيش، وقاعدة جوية، وخط أنابيب نفط رئيس، وسوقاً كبيرة للصمغ العربي.وتؤكد باحثة في الشؤون السودانية أن السيطرة على الأبيض تتعلق بالسلطة والأرض والمال.

في الوقت نفسه، أدت المعارك وقطع الطرق وتقييد الحركة إلى صعوبة الوصول إلى المدينة والتحقق من المعلومات بشكل مستقل. وفي مخيم الرحمانية، تتكدس نحو 200 أسرة في مآوٍ واهية من القش والأقمشة الممزقة وألواح البلاستيك،

حيث يمضي الأطفال أوقاتهم تحت ظلال الأكواخ الضيقة، فيما يبدو بعضهم مرهقاً غير قادر على اللعب.وتقول امرأة مسنة في السبعين من عمرها: "ليس لدينا أي شيء، لا مياه ولا غذاء ولا فرش". وقد تضاءلت إمدادات المساعدات الإنسانية والغذائية إلى المخيم في الأسابيع الماضية بسبب قطع الطرق وتدمير البنية التحتية.

ويؤكد أحد المتطوعين أن الحاجات تفوق الإمدادات، مشيراً إلى حاجة السكان للرعاية الصحية والغذاء.ويتردد في أنحاء الأبيض طنين الطائرات المسيرة باستمرار. ويقول أحد السكان، مستخدماً اسماً مستعاراً خوفاً من كشف هويته: "كل شيء في الأبيض في أزمة ويتم استهداف المدنيين والبنية التحتية باستمرار".

وتؤكد باحثة أن كثيراً من السكان باتوا محاصرين فعلياً، مع تضاعف أسعار المياه وارتفاع كلف الغذاء بنسبة تصل إلى 300 في المئة، وارتفاع كبير في أجور النقل. وتضيف: "لم يغادر كثير لأنهم لا يملكون المال اللازم أو لا يعرفون إلى أين يذهبون".ويحذر مسؤول في منظمة دولية من أن المدينة تقترب من حصار شامل،

حيث سيصبح المدنيون قريباً غير قادرين على الخروج أو العودة بأمان. وقد علقت منظمات الإغاثة أنشطتها بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، في حين تفوق الحاجات الإنسانية حجم الإمدادات المخزنة. ويشير المسؤول إلى أن الأوضاع قد تتطابق في غضون أسابيع مع ما شهدته مدينة الفاشر،

حيث اضطر المدنيون للاعتماد على أعلاف الحيوانات خلال حصار استمر 18 شهراً.وتشير تقديرات أممية إلى مقتل أكثر من 6000 شخص في الأيام الثلاثة الأولى لسقوط الفاشر، وتحذر دول غربية من خطر وقوع فظائع مماثلة في حال سقوط الأبيض. وفي وقت يحاول الجيش إبطاء تقدم قوات الدعم السريع، تتهم هذه القوات الجيش باستخدام المدنيين دروعاً بشرية.

وعلى الرغم من اختلاف الطبيعة الديموغرافية بين الأبيض والفاشر، تعرب محللات عن مخاوف من أن يواجه المدنيون في الأبيض عمليات نهب وعنف جنسي وهجمات تستهدف من يُتهمون بدعم الجيش.