اتجه فريق من الباحثين إلى دراسة بلازما الدم، وهي الجزء السائل من الدم الذي ينقل البروتينات من مختلف أعضاء الجسم. وتُعد هذه البروتينات مرآة حيوية تعكس التغيرات الدقيقة التي تجري في الجسم. وخلال الدراسة،
اكتشف العلماء أن أنماطاً محددة من البروتينات تظهر قبل سنوات من تشخيص سرطان الرئة. وبالتحليل الدقيق، تمكنوا من تحديد مجموعة فريدة تتكون من 14 بروتيناً ترتبط بارتفاع خطر الإصابة المستقبلي بالمرض، مما يحول عينات الدم الروتينية إلى نظام إنذار مبكر يلتقط إشارات الخطر قبل ظهور المرض بوقت طويل،
ويتيح فرصاً أوسع للتدخل الوقائي.الذكاء الاصطناعي يكشف ما لا تراه العين البشريةلم يكن بالإمكان رصد هذه الإشارات الدقيقة وسط آلاف البروتينات دون أدوات تحليل متقدمة. لذلك لجأ الباحثون إلى تقنيات تعلم الآلة لتحليل عينات دم تعود لعشرات الآلاف من المشاركين. وقام النظام بمقارنة مستويات البروتينات مع عوامل أخرى مثل العمر والتاريخ التدخيني والسجلات الصحية. وبعد معالجة كم هائل من البيانات،
نجح في تحديد نمط يرتبط بقوة بظهور سرطان الرئة في المستقبل، حيث تبين أن إشارات التحذير كانت موجودة قبل سنوات من التشخيص الفعلي. يكشف هذا عن دور الذكاء الاصطناعي في إعادة قراءة مؤشرات بيولوجية خفية كان من الصعب على الملاحظة البشرية إدراكها.دقة لافتة في النتائجعند اختبار النموذج على مجموعة مستقلة من المشاركين، جاءت النتائج لافتة للانتباه.
إذ تمكنت البصمة البروتينية من تحديد أكثر من 75% من الحالات التي تطورت لاحقاً إلى سرطان الرئة. والأهم من ذلك أن هذه المؤشرات ظهرت قبل نحو خمس سنوات من التشخيص، مما يفتح الباب أمام إمكانية التعرف المبكر على الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، ويسمح بتدخل طبي في مرحلة لا يزال فيها المرض في بداياته أو قبل ظهوره أصلاً.
قد يحدث هذا تحولاً كبيراً في استراتيجيات الوقاية.صلة محتملة بالالتهابكشفت الدراسة أيضاً عن مؤشر مهم آخر، إذ تبين أن البصمة البروتينية تصبح أكثر وضوحاً عندما تكون العمليات الالتهابية نشطة داخل الجسم. ويرجح الباحثون أن الالتهاب المزمن قد يلعب دوراً محورياً في تحويل الخلايا المتضررة إلى خلايا سرطانية. يمكن لعوامل مثل التدخين وتلوث الهواء والأمراض الرئوية المزمنة أن تسهم في تحفيز هذا الالتهاب على مدى سنوات طويلة.
ويعتقد العلماء أن الطفرات الجينية قد تكون الخطوة الأولى، بينما يأتي الالتهاب بوصفه عامل «الشرارة» الذي يدفع تلك الخلايا نحو التحول السرطاني. قد يفسر هذا إصابة بعض الأشخاص بالمرض حتى بعد سنوات من التعرض للعوامل البيئية الضارة.هل يصبح الوقاية ممكناً في المستقبل؟يبرز في هذا البحث جانب بالغ الأهمية يتعلق بإمكانية الانتقال من العلاج إلى الوقاية. فقد راجع الباحثون بيانات تجربة سريرية سابقة لدواء مضاد للالتهاب يُعرف باسم «كاناكينوماب»،
ولاحظوا أن الأشخاص الذين يحملون البصمة البروتينية استفادوا بشكل ملحوظ من العلاج، إذ انخفض لديهم خطر الإصابة بسرطان الرئة. ورغم أن الدواء ما زال يواجه قيوداً وآثاراً جانبية، فإن النتائج تلمح إلى إمكانية تطوير نهج وقائي موجه يعتمد على تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر والتدخل المبكر قبل ظهور المرض.مستقبل واعد لا يزال قيد التطويرورغم هذه النتائج المبشرة،
يؤكد الباحثون أن الطريق ما زال طويلاً قبل اعتماد هذا الاختبار على نطاق واسع. يتطلب الأمر التحقق من دقته عبر دراسات أوسع تشمل فئات سكانية أكثر تنوعاً، إضافة إلى تطوير أدوات تشخيص منخفضة التكلفة قادرة على قياس البروتينات الأربعة عشر بدقة عالية. ومع ذلك،
تبقى الإمكانية التي يطرحها هذا الاكتشاف استثنائية: اختبار دم روتيني قادر على التنبؤ بخطر سرطان الرئة قبل سنوات من ظهوره، مما قد يحدث تحولاً جذرياً في مفهوم الطب الحديث، ويجعل الوقاية خطوة أساسية تعادل في أهميتها العلاج، وتمنح المرضى فرصة حقيقية للتصرف قبل أن يبدأ المرض فعلياً.