لم يعد الارتفاع الحاد في إيجارات المساكن داخل السودان مجرد انعكاس طبيعي للأزمة الاقتصادية، بل تحول إلى أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل النزوح الجماعي، وتدمير آلاف المنازل، وتراجع المعروض العقاري،
وارتفاع تكاليف البناء والخدمات، إضافة إلى المضاربات التي رافقت انتقال ملايين الأسر إلى مدن أكثر أمانًا نسبيًا.وتشير تقديرات أممية إلى أن السودان صار أكبر أزمة نزوح في العالم، بعدما اضطر أكثر من 15 مليون شخص إلى مغادرة منازلهم عند ذروة الأزمة. وتحولت سوق الإيجارات إلى أحد أكثر القطاعات اضطرابًا،
مع تضاعف الأسعار في مدن عديدة أكثر من مرة مقارنة بما قبل الحرب.أزمة ديموغرافيةيقول المحلل الاقتصادي أحمد سليمان: إن فهم ما حدث في سوق الإيجارات يستدعي النظر أولًا إلى حجم النزوح غير المسبوق؛ فعندما ينتقل ملايين الأشخاص خلال أشهر قليلة من مدن مثل الخرطوم وود مدني والفاشر إلى مدن أخرى، يكون السكن أول ما يبحثون عنه، وهذا الطلب المفاجئ لا يقابله توسع سريع في المعروض العقاري، فتبدأ الأسعار في الارتفاع بفعل العرض والطلب.وأوضح سليمان أن الأزمة السودانية أكثر تعقيدًا؛ فجزء كبير من المساكن خرج من الخدمة نتيجة الدمار أو النهب أو الاحتلال،
ونزح كثير من الملاك أنفسهم، ما جعل إدارة العقارات أكثر صعوبة، وتوقفت مشاريع البناء الجديدة بسبب ارتفاع أسعار المواد وانقطاع سلاسل الإمداد.وأشار إلى أن ملايين الأشخاص نزحوا داخليًا وخارجيًا، ما خلق ضغطًا هائلًا على المدن المستقبلة،
ومع كل موجة نزوح جديدة كانت الأسعار ترتفع مجددًا. ولفت إلى أن الأزمة الحالية ليست أزمة عقارات فقط، بل أزمة ديموغرافية، إذ تغير التوزيع السكاني للسودان خلال فترة قصيرة بصورة لم يشهدها البلد في تاريخه الحديث.صدمة اقتصاديةعند سؤال أصحاب العقارات عن أسباب رفع الإيجارات،
تأتي الإجابات متشابهة: ارتفاع الدولار، وزيادة تكاليف الصيانة، وارتفاع أسعار الكهرباء والمياه والخدمات. لكن المستأجرين يرون أن ما يحدث تجاوز حدود الزيادة الطبيعية وتحول إلى استغلال لحاجة النازحين.يقول الباحث الاقتصادي إبراهيم صديق: إن الحرب أحدثت صدمة اقتصادية مزدوجة؛ فمن جهة تراجع الإنتاج والدخل وفرص العمل،
ومن جهة أخرى ارتفعت تكاليف عناصر الإنتاج تقريبًا كلها، وتأثر قطاع الإسكان مباشرة بهذه الصدمة.وبين صديق أن كلفة إعادة تأهيل أي منزل ارتفعت بصورة كبيرة بسبب زيادة أسعار الإسمنت والحديد ومواد التشطيب وأجور العمالة وصعوبة النقل بين الولايات، فأصبح المالك ينقل جزءًا من هذه الكلفة إلى المستأجر. وأضاف أن المضاربة تلعب دورًا مهمًا أيضًا؛ فعندما يعلم المالك أن عشرات الأسر تبحث عن منزل واحد،
فإنه يرفع السعر لأنه يدرك أن السوق ستستجيب.وأكد صديق أن المنافسة الحقيقية تغيب في مثل هذه الظروف لأن الطلب أكبر بكثير من العرض، ولهذا تضاعفت الأسعار في بعض المدن عدة مرات خلال فترة قصيرة، بينما لم يرتفع دخل المواطنين بالوتيرة نفسها، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخل وكلفة السكن.تآكل الدخللم تعد كثير من الأسر تستأجر شقة كاملة،
بل تقتصر على غرفة واحدة أو تشارك أسرة أخرى في السكن لتقليل النفقات. وأصبح بعض الموظفين يخصصون معظم رواتبهم للإيجار، بينما اضطر آخرون إلى الانتقال إلى أطراف المدن أو العودة إلى مناطق أقل أمانًا بسبب ارتفاع الأسعار.يقول الباحث في الدراسات والتخطيط الإنمائي جابر عبد الحميد: إن نتائج الدراسات الميدانية أشارت إلى أن الحرب غيرت نمط الحياة في المدن السودانية بصورة جذرية؛ إذ ترافق انخفاض فرص العمل مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وأصبح السكن يمثل العبء الأكبر على موازنة الأسر.وأضاف عبد الحميد أن كثيرًا من الأسر لم تعد قادرة على تحمل إيجار منزل مستقل،
فانتشرت ظاهرة السكن المشترك أو انتقال أكثر من أسرة إلى المنزل نفسه، وهو ما ينعكس على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والصحي. كما أن ارتفاع الإيجارات يقيد إنفاق الأسر على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، لأن السكن يستهلك نسبة متزايدة من الدخل الشهري.وخلص عبد الحميد إلى أنه من منظور التنمية الحضرية،
فإن استمرار الأزمة سيؤدي إلى توسع المناطق العشوائية وزيادة الاكتظاظ والضغط على الخدمات العامة، ما يجعل معالجة أزمة السكن جزءًا أساسيًا من أي خطة للتعافي الاقتصادي بعد الحرب.تعافٍ بطيءرغم بدء عودة بعض السكان إلى أجزاء من الخرطوم وعدد من الولايات، لم تشهد سوق الإيجارات انخفاضًا واسعًا في الأسعار. ويرى مراقبون أن التعافي سيكون بطيئًا لأن إعادة بناء القطاع السكني تحتاج إلى أعوام واستثمارات ضخمة.يقول المتخصص في الإسكان والتعافي الحضري فيصل الحاج: إن انخفاض الإيجارات مرتبط بثلاثة شروط رئيسة؛ أولها تحسن الوضع الأمني بصورة مستقرة تسمح بعودة السكان إلى مناطقهم الأصلية،
وثانيها إعادة إعمار المساكن المتضررة وعودة المعروض العقاري إلى السوق، وثالثها استقرار الاقتصاد وانخفاض التضخم.وأضاف الحاج أن عودة مئات الآلاف إلى بعض المناطق لا تعني انتهاء الأزمة؛ فكثير من المنازل ما زال متضررًا أو يحتاج إلى إعادة تأهيل، ما يبقي الطلب على السكن مرتفعًا خلال المرحلة المقبلة. وشدد على أن إعادة الإعمار لا تقتصر على بناء المنازل،
بل تشمل استعادة حقوق الملكية، وإصلاح البنية التحتية، وتوفير التمويل العقاري، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الإسكان.وأكد الحاج أنه إذا لم تعالج هذه الملفات بصورة متكاملة،
فقد يستمر الضغط على سوق الإيجارات لأعوام حتى بعد توقف العمليات العسكرية، لأن آثار الحرب على المدن تمتد عادة لفترة أطول بكثير من الحرب نفسها.